تمهيد:
اعتقال نيكولاس مادورو لم يكن حدثاً أمنياً معزولاً أو تطوراً داخلياً في المشهد الفنزويلي، بل شكّل نقطة تحوّل في مقاربة الولايات المتحدة للتعامل مع الأنظمة المتحالفة مع إيران خارج الشرق الأوسط. فالعملية حملت دلالات تتجاوز شخص مادورو، لتطال شبكة عابرة للحدود تداخلت فيها الجريمة المنظمة، تهريب النفط، غسيل الأموال، والدعم اللوجستي لنفوذ إيراني تمدّد إلى خاصرة الولايات المتحدة نفسها.
في هذا السياق، تتقاطع فنزويلا مع إيران، وتتقدّم العراق كحلقة وسيطة وحسّاسة في مسار إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، في ظل احتجاجات داخل إيران، وضغوط أميركية متصاعدة على أذرع طهران في المنطقة.
فنزويلا كنقطة ارتكاز إيرانية خارج الشرق الأوسط
خلال العقد الأخير، تحوّلت فنزويلا من دولة تعاني عزلة اقتصادية إلى منصّة جيو-أمنية متقدّمة لإيران في نصف الكرة الغربي. هذا التحوّل لم يكن سياسياً فقط، بل شمل تعاوناً أمنياً ولوجستياً، واستخدام الأراضي الفنزويلية كنقطة عبور لشبكات تهريب، إضافة إلى تسهيلات مرتبطة بالطاقة والنفط خارج الأطر القانونية الدولية.
وفق تقديرات غربية، شكّلت هذه المنصة عنصر ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة، عبر تقليص المسافة الاستراتيجية مع طهران، وخلق بيئة ردع غير تقليدية في محيط الكاريبي. من هنا، يمكن فهم اعتقال مادورو بوصفه ضربة لبنية الشبكة لا مجرد إسقاط رأس سياسي.
في موازاة ذلك، يطرح خصوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب رواية بديلة، تعتبر أن الدافع الأساسي هو السيطرة على احتياطات فنزويلا النفطية وإعادة هندسة سوق الطاقة العالمية. غير أن هذا الطرح يتجاهل تزامن العملية مع مسار أوسع يستهدف تفكيك شبكات النفوذ الإيراني عالميًا، لا الاكتفاء بإعادة توزيع موارد الطاقة.
إيران بين الاحتجاج الداخلي وتآكل العمق الاستراتيجي
تحييد فنزويلا أسقط إحدى أهم نقاط الارتكاز الخارجية لإيران، في لحظة تشهد فيها البلاد احتجاجات داخلية غير مسبوقة، رافقها سقوط قتلى وتهديدات أميركية علنية بحماية المحتجين. ومع ذلك، لم تُترجم هذه التهديدات إلى تدخل مباشر، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الاستراتيجية الأميركية الحالية.
يبدو أن واشنطن لا تسعى إلى مواجهة عسكرية تقليدية، بل تعتمد نموذج يمكن وصفه بـ”الاستنزاف المتدرّج”:
• تجفيف الموارد الخارجية.
• إسقاط نقاط النفوذ البعيدة.
• ترك النظام يواجه ضغط الداخل دون منحه ذريعة “العدوان الخارجي”.
هذا النهج يعكس انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة التفكيك البطيء، حيث يصبح النظام محاصراً داخل حدوده، فاقداً لأدوات المناورة الإقليمية، ومضطرًا لاستخدام القوة داخلياً، بما يسرّع تآكله السياسي والاجتماعي.
العراق.. ساحة الاختبار الأصعب
في قلب هذا المشهد، يبرز العراق كساحة اختبار حاسمة. فـ”الدولة العراقية” تضم أكبر حضور عملي لأذرع إيران السياسية والعسكرية خارج حدودها، وفي الوقت نفسه تمثّل مصلحة استراتيجية مباشرة للولايات المتحدة.
الضغوط الأميركية الأخيرة، بما فيها البنود “الثمانية عشر” التي طرحها المبعوث الرئاسيّ الأميركي “مارك سافايا”، لا يمكن قراءتها كمجرد شروط إصلاحية، بل كخارطة طريق لإعادة ضبط التوازن داخل النظام العراقي، وفصل الدولة عن الشبكة الإقليمية الإيرانية.
السؤال الجوهري هنا لا يتعلق فقط بمدى التزام السلطة العراقية، بل بقدرة الفصائل على تعطيل هذا المسار. وفي حال حصول ذلك، تبقى واشنطن أمام خيارات متعددة، تبدأ بالضغط الاقتصادي والسياسي، ولا تنتهي بإعادة تعريف العلاقة الأمنية مع بغداد.
إسقاط وهم “الحدود الآمنة”
اعتقال نيكولاس مادورو أسقط عمليياً فرضية أن الجغرافيا البعيدة أو التحالفات الخارجية توفّر مظلّة حماية دائمة للأنظمة الراديثوقراطية (أي التي تجمع بين الراديكالية الأيديولوجية والحكم الديني/السلطوي). الرسالة الأساسية لم تكن موجهة إلى فنزويلا وحدها، بل إلى كل نظام اعتقد أن المسافة، أو التعقيد الإقليمي، أو تشابك المصالح الدولية يمكن أن يشكّل خط دفاع سياسي وأمني.
بهذا المعنى، فإن ما جرى أعاد تعريف مفهوم “الأمن السيادي” للأنظمة ذات الحكم الراديكالي/الثيوقراطي، وأظهر أن الشبكات العابرة للحدود – سواء كانت سياسية، أمنية، أو اقتصادية – باتت نقطة ضعف لا مصدر قوة. وهو ما يضع إيران أمام معادلة أكثر ضيقًا، ويجعل العراق، بحكم تشابك أذرعه الداخلية مع هذه الشبكات، أكثر عرضة للضغط وإعادة التموضع.
المرحلة المقبلة، وفق هذا المنظور، لن تُقاس بإسقاط أنظمة دفعة واحدة، بل بتآكل قدرتها على الحركة، وانكشافها التدريجي أمام الداخل والخارج على حد سواء.
استنتاجات
ما يجري اليوم ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل مسار واحد متكامل:
أولًا: انتقال مركز الثقل من “القرار السياسي” إلى “الهشاشة البنيوية”
ما تكشفه عملية اعتقال مادورو ليس فقط تبدّل في سلوك واشنطن، بل تحوّل في تعريف الهدف نفسه. لم يعد المطلوب إسقاط أنظمة عبر قرارات كبرى أو تدخلات مباشرة، بل استثمار هشاشاتها البنيوية: الاقتصاد غير الشرعي، الاعتماد على شبكات ظلّ، وتضخم الأجهزة الأمنية على حساب الشرعية. في هذه المعادلة، يسقط النظام حين تتعطّل وظائفه، لا حين يُستهدف رأسه.
ثانيًا: تحالفات الأنظمة الراديثوقراطية تحوّلت من مظلة حماية إلى عبء كاشف
التشابك بين فنزويلا، إيران، وشبكات غير دولية كان يُفترض أن يمنح هذه الأنظمة عمقاً استراتيجياً، لكنه في الواقع خلق مساراً واحداً للسقوط المتتابع. سقوط حلقة واحدة كشف باقي السلسلة، ما يعني أن التحالفات القائمة على العزلة والمواجهة مع النظام الدولي باتت تُسرّع الانكشاف بدل أن تؤمّن الردع.
ثالثًا: غياب التدخل الأميركي ليس تردداً بل إدارة زمن الانهيار
عدم تحرك واشنطن فوراً لحماية المحتجين في إيران، رغم الخطاب العالي، لا يمكن قراءته كتناقض أو تراجع، بل كخيار محسوب لإدارة توقيت الانهيار. التدخل المباشر قد يعيد إنتاج النظام تحت شعار “الخطر الخارجي”، بينما ترك الضغط يتراكم داخلياً يضاعف كلفة القمع ويُفقد النظام سرديته الدفاعية.
رابعًا: سقوط وهم “الحدود الآمنة” يعيد تعريف أمن الأنظمة لا أمن الدول
اعتقال مادورو أسقط نهائيًا فكرة أن الأنظمة الراديكالية قادرة على الاحتماء بالجغرافيا أو التعقيد الإقليمي. الأهم من ذلك، أنه أعاد تعريف مفهوم الأمن: لم يعد مرتبطاً بالحدود أو السيادة الشكلية، بل بقدرة النظام على تبرير بقائه داخلياً وضبط شبكاته خارجياً. في هذا الإطار، تصبح إيران والعراق أمام اختبار وجودي مختلف: ليس “هل سيُستهدف النظام؟” بل “متى يصبح غير قابل للاستمرار؟”.
خلاصة المشهد، أن ما جرى مع مادورو يمثل نموذجاً قابلاً للتوسّع، في ظل إدارة أميركية بدأ صبرها ينفد، ويمكن تكراره في إيران والعراق بوصفهما ملفات مفتوحة على الحسم، لا على إدارة الوقت أو تأجيل الاستحقاقات.
عامر السامرائي