مقال للكاتب : عامر السامرائي
” هذا المقال التحليلي يناقش دلالات تصريحات المبعوث الرئاسي الخاص “توم برّاك” التي ربط فيها استقرار الشرق الأوسط بالتوازن بين العراق وسوريا وتركيا، باعتبارها محور الارتكاز لأي نظام إقليمي جديد. ويرى أن واشنطن تتجه نحو مقاربة تتجاوز إدارة الأزمات إلى إعادة تشكيل المنطقة عبر شبكات المصالح الاقتصادية وممرات الطاقة والتجارة. ويبرز العراق بوصفه حلقة الوصل الجغرافية والسياسية بين الخليج وشرق المتوسط، فيما تمثل سوريا العقدة الأساسية للمشروع، وتعد تركيا ركناً رئيسياً في معادلاته الأمنية والاقتصادية. كما يتناول التحليل مساعي الولايات المتحدة للحد من النفوذ الإيراني ومنع أي صدام تركي–إسرائيلي قد يعرقل هذه الترتيبات. ويخلص إلى أن ما يجري قد يعكس مشروعاً أوسع لإعادة تعريف موقع العراق داخل المشهد الإقليمي، مع بقاء التساؤل مفتوحاً حول قدرة هذه الرؤية على التحول من تصور استراتيجي إلى واقع عملي”.
قبل أيام، أطلق المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص توم برّاك “قنبلة سياسية” من العيار الثقيل، عندما قال إن الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط يتوقف على التوازن الاستراتيجي بين العراق وسوريا وتركيا، ووصف هذه الدول بأنها “محور الارتكاز” لأي معادلة سياسية مستقبلية.
للوهلة الأولى قد يبدو التصريح دبلوماسياً عادياً، لكنه في الحقيقة يكشف عن طريقة التفكير الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة.
إننا أمام مشروع أمريكي جديد لإعادة رسم الشرق الاوسط
لكن السؤال:
هل يمثل توم برّاك مجرد مبعوث سياسي، أم أنه عراب هذا المشروع ويحمل تصوراً متكاملاً لإعادة ترتيب خرائط النفوذ والطاقة والتحالفات بعد سنوات من الحروب؟
لماذا اختار بّراك العراق وسوريا وتركيا؟
عندما يتحدث برّاك عن هذه الدول الثلاث تحديداً فهو يتحدث عن قلب المنطقة.
تركيا تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية.
العراق يمتلك الثروة النفطية والموقع الجغرافي الرابط بين دول الخليج العربي وبلاد الشام.
أما سوريا فهي عقدة المرور الإلزامية بين الخليج وشرق المتوسط.
ولهذا فإن أي مشروع إقليمي جديد لا يمكن أن ينجح دون وجود توازن بين هذه الأطراف الثلاثة.
في الماضي كان النفوذ الإيراني يستفيد من حالة الانقسام بين هذه الدول.
أما اليوم فإن واشنطن تحاول بناء منظومة مختلفة تقوم على ربط هذه الدول بشبكات مصالح اقتصادية وأمنية مشتركة.
ولهذا جاء وصف برّاك لها بأنها “محور الارتكاز”.
فالاستقرار هنا لا يعني وقف الحروب فقط.
بل يعني بناء نظام إقليمي جديد يمنع عودة الفوضى.
ماذا تقصد واشنطن بإعادة تنظيم المنطقة؟
في تصريحه تحدث برّاك عن مساعدة المنطقة على إعادة تنظيم نفسها.
هذه العبارة تحمل دلالات مهمة.
لأن الولايات المتحدة باتت ترى أن الشرق الأوسط دخل مرحلة ما بعد الحروب الكبرى.
كما تنظر إلى المواجهة الحالية مع إيران باعتبارها فرصة لإعادة تركيب المشرق العربي سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
بمعنى آخر:
الهدف لم يعد فقط احتواء إيران.
بل بناء منظومة إقليمية جديدة تجعل عودة النفوذ الإيراني أكثر صعوبة.
وهنا يظهر دور العراق وسوريا وتركيا.
فالدول الثلاث تمثل الممر الإجباري لأي مشروع اقتصادي أو أمني مستقبلي.
لماذا أصبحت سوريا حجر الزاوية؟
مواقف إدارة ترامب تشير إلى أن واشنطن تعتبر سوريا الحلقة الأساسية في مشروع إعادة تشكيل المنطقة.
فمن يسيطر على استقرار سوريا يملك القدرة على التحكم بمسارات الطاقة والتجارة بين الخليج وتركيا وأوروبا.
لهذا السبب تتحدث واشنطن باستمرار عن “الاستقرار الدائم في سوريا”.
وفي الوقت الذي تطهّرت سوريا من الفوذ الإيراني، لا تريد الولايات المتحدة
مواجهة تركية إسرائيلية داخل الأراضي السورية، كما يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لأن أي صدام من هذا النوع سيؤدي إلى انهيار كامل للمشروع الأمريكي.
لذلك نلاحظ أن الجهد الأمريكي يتركز على إدارة التوازنات داخل سوريا أكثر من أي ملف آخر.
أين يقع العراق في هذه المعادلة؟
العراق بالنسبة لواشنطن ليس مجرد دولة نفطية، بل يمثل حلقة الوصل بين الخليج وسوريا وتركيا.
ومن هنا يمكن فهم سبب الاهتمام الأمريكي المتزايد بالعراق في الأشهر الأخيرة.
العراق هو الممر الذي يمكن أن تمر عبره خطوط الطاقة الجديدة.
وهو البوابة البرية التي تربط الخليج بشرق المتوسط.
كما أنه الساحة الأكثر حساسية في ملف النفوذ الإيراني.
ولهذا فإن أي مشروع أمريكي لإعادة ترتيب المنطقة يتطلب عراقاً مستقراً وقادراً على اتخاذ قراراته بعيداً عن الضغوط الخارجية.
ومن هنا يمكن فهم الحديث المتكرر عن السلاح المنفلت والاقتصاد الموازي وتهريب الأموال.
فكل هذه الملفات ترتبط عملياً بقدرة العراق على الاندماج في المشروع الإقليمي الجديد.
وهذا ما لا يفهمه ساسة المنطقة الخضراء.
لماذا تحاول واشنطن منع الصدام التركي الإسرائيلي؟
هذه نقطة شديدة الأهمية.
لأن الولايات المتحدة تعتبر احتمال المواجهة بين تركيا وإسرائيل أحد أخطر التهديدات للمشروع الأمريكي.
فالطرفان يمثلان ركيزتين أساسيتين في الحسابات الأمريكية.
وإذا تحول التنافس داخل سوريا إلى مواجهة مفتوحة فإن كل الترتيبات التي يجري العمل عليها قد تنهار.
لهذا نلاحظ أن واشنطن تحاول لعب دور الوسيط بين أنقرة وتل أبيب عبر الملف السوري.
بمعنى أن سوريا أصبحت ساحة توازن أكثر من كونها ساحة صراع.
هل نحن أمام خرائط طاقة جديدة؟
هنا ربما يكمن جوهر الموضوع كله.
الحديث يجري عن مشاريع خطوط الطاقة القديمة والجديدة، وربط الخليج بشرق المتوسط وأوروبا عبر العراق وسوريا وتركيا.
كما أن هناك مساعٍ لإحياء خطوط كركوك – بانياس ومشاريع النقل والسكك الحديدية والموانئ.
وهذا يعني أن واشنطن لا تنظر إلى المنطقة من زاوية الأمن فقط.
بل من زاوية الاقتصاد والممرات التجارية أيضاً.
ففي عالم اليوم من يتحكم بالممرات التجارية يتحكم بجزء كبير من النفوذ السياسي.
هل الهدف الحقيقي هو تقليص النفوذ الإيراني؟
عند قراءة الخريطة السياسية للمنطقة بمجملها يبدو أن الجواب هو نعم.
فالإدارة الأمريكية لا تخفي رغبتها في تحجيم نفوذ إيران في لبنان العراق أو منعها من استعادة نفوذها السابق في سوريا.
لكن اللافت أن واشنطن لم تعد تعتمد فقط على الأدوات العسكرية.
بل تستخدم أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية.
أي أنها تسعى إلى تغيير البيئة التي يتحرك فيها النفوذ الإيراني وليس فقط مواجهة هذا النفوذ بشكل مباشر.
وهنا يظهر دور العراق مرة أخرى باعتباره الحلقة الأكثر تأثيراً في هذا المسار.
الخلاصة:
التصريحات التي أطلقها توم برّاك لا تبدو مجرد قراءة دبلوماسية لحالة إقليمية معقدة، بل أقرب إلى رسم إطار تفكير جديد يُعاد من خلاله تعريف موقع العراق داخل المشهد الإقليمي.
بين فكرة “إعادة تنظيم المنطقة” وربط العراق بسوريا وتركيا ضمن شبكة مصالح واحدة، تتضح ملامح مقاربة تتجاوز إدارة الأزمات إلى محاولة صياغة توازنات طويلة الأمد، يكون فيها الاقتصاد والممرات الحيوية جزءاً من معادلة الاستقرار بقدر ما هو الأمن والسياسة.
لكن ما يجري على الأرض من حديث عن نزع سلاح، وإعطاء مهلة ثلاثة أشهر، إلى جانب طرح ملفات تتعلق بإعادة هيكلة وإقصاء آلاف الموظفين الرفيعين، كلها مؤشرات تُقرأ في سياق أوسع، يوحي بأن هناك مساراً عملياً يجري دفعه باتجاه إعادة تشكيل بنية الدولة العراقية بما يجعلها أكثر انسجاماً مع هذا التصور الإقليمي.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً:
هل نحن فعلاً أمام “هندسة” لشرق أوسط جديد تُدار من بوابة التفاهمات والتشابكات الاقتصادية؟
أم أن تعقيدات الأرض، وتشابك النفوذ، وتعدد اللاعبين، ستجعل هذه الرؤية أقرب إلى التصور منها إلى التنفيذ؟
وهنا تحديداً يعود السؤال إلى الواجهة:
توم برّاك.. مهندس العراق الجديد أم عرّاب الشرق الأوسط؟
