أ.د. عبدالسلام سبع الطائي
مدخل: من استهان بالبداية أخطأ النهاية
قد نضطر أحيانا إلى الإشارة لما كتبناه ونشرناه قبل سنين من تحليلات، بوصفه سندا يبرهن على دقة التوقعات والاستقراء المبكر للأحداث.
تنطلق هذه الورقة من مقاربة جيوسياسية تفترض أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والعرب لا تتجه نحو حرب شاملة ولا نحو سلام مستقر للعرب خاصة، بل تستقر في حالة «لا حرب ولا سلم»، تدار عبر منظومات الردع والعقوبات والحروب بالوكالة. كما تبحث في انعكاسات هذا النمط من الصراع على دول الخليج والعراق، بوصفها ساحات تأثير أكثر من كونها مراكز قرار، مع التركيز على البعد الاقتصادي المرتبط بالطاقة والممرات البحرية والتحولات في بنية النظام الدولي.
الحالة التشاؤلية: اللا حرب واللا سلم
استخدم في هذه الورقة عبارة «الحالة التشاؤلية» تعبيرا عن الوضع السياسي الإيراني / العراقي / الخليجي، كونه بات وضعا لا هو تفاؤلي ولا هو تشاؤمي. ولغرض تفكيك هذه الجدلية السياسية والإعلامية سنحاول إعادة تركيب هذه الجدلية التشاؤلية، للتحقق من مصداقية المحادثات والمناوشات الإعلامية والعسكرية التفاؤلية بين الضربات التشاؤلية عبر المفاوضات، لكونها مجرد مناوشات شبه تعرضية غير مجدية لتغيير النظم السياسية، بما فيها تغيير رجال الدين النوويين في إيران، حتى احتار المفسرون فيها: أهي دراما إعلامية أم حرب جدية؟!
إشكاليات استراتيجية أمريكية: وقف التهديدات والقضاء عليها أم إدارتها؟
وعليه، وجب علينا معرفة نية الإدارة الأمريكية بوضوح: أإن كان جوهرها العهود أم الوعود، لمعرفة إن كانت راغبة حقا بحل المشكلة الإيرانية / الخليجية، أم تريد وقف التهديدات لا القضاء عليها، لغرض إدارة سياستها واستثمارها، كما يتوقع ذلك الكثيرون وأنا واحد منهم، كي لا تتورط دول وقوى وطنية في الوقوع في المحظور.
أهداف استراتيجية بحرية في حرب التحريك النفط غازية
في هذا الإطار، تبرز الدول العربية: الخليجية ولبنان وسوريا واليمن والعراق كمناطق ساخنة للحرب في الشرق الأوسط، لكونها تشكل نقطة التقاء لثلاث أدوات استراتيجية متداخلة:
• الطاقة (الخليج العربي)
• الممرات البحرية (مضيق هرمز – بحر العرب – البحر الأحمر والمحيط الهندي)
• التنافس الدولي (الولايات المتحدة – الصين – إيران)
أمريكا تريد تهديد الصين بإيران لإضعافها، وإيران تريد تهديد أمريكا بالعراق. إن محاولات الضغط على إيران غرضها إضعاف اقتصاد الصين، لوضع حد لمنافسة البضائع الصينية للبضائع الأمريكية. كما يفسر استهداف أمريكا لإيران بأنه تهديد لروسيا أيضا، لوقف أو عرقلة تشييد مشروع النقل التجاري والسياحي من منطقة أوراسيا، إضافة إلى «طريق المريديان» السريع، المشروع الذي نفذ مؤخرا بالاتفاق بين روسيا والصين ودول آسيا الوسطى منذ عام 2005. لذلك فإن تعزيز التعاون بين روسيا والصين يشكل أكبر تهديد لأمريكا.
طرق استراتيجية: مضيق هرمز والمسارات البحرية
يشكل مضيق هرمز «المجال الحيوي لأمريكا تجاه بحر الصين» عبر سلسلة مترابطة من المسارات البحرية:
مضيق هرمز → بحر عمان → بحر العرب → باب المندب → البحر الأحمر → قناة السويس → المحيط الهندي → بحر الصين الجنوبي
ولا يقتصر هذا الامتداد على كونه طرقا تجارية، بل يمثل:
• شريان الطاقة العالمي
• مسار صادرات النفط والغاز الخليجية
• محور التنافس الأمريكي–الصيني
• نقطة ارتكاز لنفوذ «الشياطين» الإقليمي الإيراني.
صحيفة السياسة الكويتية أشارت منذ 1980 بأن غلق مضيق هرمز سيؤدي إلى حرب عالمية ثالثة وأن أمريكا لم تطلب التنسيق مع دول الخليج بهذا الشأن!
صراع الشياطين: الإيراني | الإسرائيلي | الأمريكي
صراع ملة الشياطين
إيران وإسرائيل وأمريكا كقوى متداخلة في العراق ودول الخليج ولبنان وسوريا واليمن وغيرها، لإعادة تشكيل هذه الدول لزرع ثقافة وجنس آخر من خلال:
1. الشيطان الديموغرافي
2. الشيطان النووي للعمائم النووية الإيرانية
فاليوم، الشيطانان الأكبر والأصغر الإيراني، كلاهما، يقفان على خشبة المسرح السياسي وحلبة الملاكمة الدولية. فأمام هذين الشيطانين خياران: إما التغيير الحقيقي للعمائم النووية للنظام الإيراني من قبل الشيطان الأكبر بالقوة، أو قبول الشيطان الأصغر شروط التفاوض، وإلا سيفسر صراع الشيطانين بأنه مجرد قنبلة صوتية أو عرض لمسرحية هزلية. على الرغم من أننا لم نر دولة تشتم وتهدد منذ 47 سنة مثل إيران، ولا دولة تهدد إيران مثل أمريكا. وإلا فإن لقواعد الاشتباك هذه سيناريوهات أخرى قد تكون متفقا عليها!
سيناريوهات مستقبلية للمنطقة
وقد دققنا ناقوس الخطر منذ ذلك التاريخ 2019 بمقالاتنا المنشورة: (الحرب المحتملة مع إيران والسلام المستحيل مع العرب) بالإشارة إلى سيناريوهات خريطة الشرق الأوسط المرتقب ظهور ملامحها الأولى نهاية عام 2025 تحديدا، والتي توقعنا أن تتصدر أولوياتها المرجعية العربية الإسلامية في أرض الحرمين بعد تدمير المرجعية القومية في العراق. وفي هذا السياق يطرح أن الدور الإيراني، بوصفه أداة ضمن توازنات الصراع، يسعى إلى استثمار هيمنة حزب الله قبالة إسرائيل على البحر المتوسط في لبنان وسوريا، إضافة إلى تموضع الحوثيين على حافة البحر الأحمر قبالة السعودية، وميليشيات العراق، بما يشكل ضغطا متعدد الاتجاهات على السعودية برا وبحرا.
*إن أول الخطأ قبل 2003 كان زلة الكويت، وأول الغيث بعد 2003 ظن البعض أنه قطرة للجميع، ثم انكشفت الحقائق لتجرف الجميع، عربيا وإقليميا، في حصاد ثقيل دفع ثمنه الجميع دون استثناء. ومع ذلك تبقى الحاجة ملحة لطي صفحة الماضي والتوجه نحو روح جديدة من الحكمة والحوار، تعيد للأمة توازنها.
إن ما يحدث لا يختزل في تفاؤل ولا يحسم بتشاؤم؛ بل يستقر في «الحالة التشاؤلية» حيث يتعايش الصراع مع الردع والتهديد مع الضبط، دون حرب شاملة أو سلام حقيقي. إنها حالة «اللا حرب واللا سلم» التي تبقي العراق والأمة ساحة بلا تأثير، وتضع دول الخليج بين القلق والردع، وتبقي إيران تحت الضغط دون حسم، في توازن هش تدار فيه الأزمات بدل أن تحل.
