تخطى إلى المحتوى

النفوذ بلا سلاح: كيف يدير الحرس الثوري حضوره في العراق عبر العتبات المقدسة

Shares

مقال للكاتب : الباحث والمحلل السياسي أحمد العلواني
التاريخ: 8 يناير 2026

تشير العتبات العاليات (بالعربية: العتبات المقدسة، وبالفارسية: Atabat-e Aliyat، وتُعرف أيضًا باسم عتبات عاليات) إلى أضرحة ستة من أئمة الشيعة الاثني عشر، والموزعة على أربع مدن عراقية هي: النجف، كربلاء، الكاظمية، وسامراء.
وتكتسب هذه المدن أهميتها الدينية لاحتضانها قبور الأئمة الشيعة، حيث يُطلق على كل ضريح منها مصطلح عتبة عليا.

البعد العقائدي والسياسي للعتبات

لم تقتصر أهمية العتبات العاليات على بعدها الديني فحسب، بل جرى توظيفها بوصفها واجهة للتوجيه العقائدي والفكري، ووسيلة لاستقطاب الشباب الشيعي المؤمن بفكر الثورة الإسلامية الإيرانية.
ومن خلال هذا الدور، انطلق ما يُعرف بـ الفكر الثوري المقاوم، وفق توصيف المرشد الإيراني، عند تأسيس هذا الإطار التنظيمي الذي ارتبط بشكل مباشر بقوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني.

تأسيس مقر إعادة إعمار العتبات العاليات

تم تأسيس مقر إعادة إعمار العتبات العاليات عام 2002، بأمر مباشر من المرشد الإيراني علي خامنئي، فيما تشير بعض المصادر إلى أن التأسيس الفعلي كان في عام 2003.
وقد أُنيط بالمقر رسميًا مهمة تطوير وإعادة إعمار الأضرحة الشيعية في العراق، قبل أن يتوسع نطاق عمله لاحقًا ليشمل سوريا ابتداءً من عام 2014، في سياق التحولات الإقليمية والصراع الدائر هناك واما في العراق فتم تأسيس مقر لهم يدعى مقر أرباين.

الغطاء التنظيمي والارتباط العسكري

سُجِّل مقر إعادة إعمار العتبات العاليات رسميًا كـ منظمة غير حكومية، إلا أن رئاسته منذ التأسيس كانت بيد قاسم سليماني، القائد السابق لـ قوة القدس، ما يعكس ارتباطه العضوي بالحرس الثوري الإيراني. يرتبط المقر مباشرة بـ قوة القدس، ويحمل أعضاؤه شارات تعريفية تحت مسمى
«قوات جهادية» (Jihadist Forces)، في مؤشر واضح على طبيعته شبه العسكرية.

دور المقر كمنظمة واجهة

يُعد مقر إعادة إعمار العتبات العاليات إحدى منظمات الواجهة التابعة للنظام الإيراني، والتي استُخدمت كغطاء للتغلغل السري داخل العراق. وفي الواقع، شكّل هذا المقر أداة عملياتية لقوة القدس، حيث:

مهّد الطريق لأنشطة إرهابية متعددة منها التعبة والتحشيد الشباب العراقي للقتال في جبهات متعددة تحت راية هذه قوة.

استُخدم في تهريب الأسلحة والممنوعات

شارك في نهب الموارد للحصول على تمويل لنشاطها

لعب دورًا في التحايل على العقوبات الدولية وذلك تحت ذريعة إعادة إعمار الأضرحة الدينية.

ويقع المكتب الرئيسي للمقر في طهران، في العنوان التالي:
رقم 3، زقاق شهيد محمدي، شارع شهيد سباه بود، ساحة فردوسي.

التعيينات والهيكل القيادي

يقوم قاسم سليماني بتعيين رؤساء مقر إعادة إعمار الأضرحة المقدسة ويدعى ايضاً مقر أربعين. قام قاسم سليماني شخصيا بآخر التعيينات في مقر إعادة إعمار الأضرحة المقدسة في 12 يوليو 2019.

الجنرال سليماني زعيم قوة القدس وامامه راية المقر إعمار الأضرحة المقدس

ضمن سلسلة الترقيات الداخلية، جرى ترقية العميد حسن بولاراك من منصبه كرئيس لمقر إعادة الإعمار إلى مستشار خاص لقيادة قوة القدس. وبعد ترقيته، كُلّف بالإشراف العام على أنشطة المقر في العراق. وفي المرسوم ذاته، منح قاسم سليماني بولاراك صلاحيات خاصة تتعلق بـ:

تنظيم وتوسيع مراسم الأربعين

تجاوز العقوبات الدولية المرتبطة بأنشطة المقر

لاحقًا، عيّن سليماني محمد جلال معب رئيسًا تنفيذيًا لمقر إعادة الإعمار، خلفًا لحسن بولاراك

محمد جلال معب، رئيس مقر إعادة الإعمار العالي للأضرحة
المقدسة
حسن بولراك في الجانب الأيمن من قاسم سليماني

وفي هذا السياق، يبيّن ما يلي نسخة من التعيينات بوثيقة رسمية التي أصدرها قاسم سليماني في شهر 12 يوليو 2019 وتحمل توقيعه، والتي تعكس البنية القيادية للمقر وطبيعة ارتباطه المباشر بقوة القدس

نص رسالة سليماني التي عين فيها حسن بولراك

الهيمنة التنفيذية لمقر إعادة إعمار العتبات بعد عام 2003

من خلال تتبّع نشاط مقر إعادة إعمار العتبات العاليات، يتبيّن أن هذه المؤسسة لم تؤدِّ دورًا خدميًا أو استشاريًا كما أُعلن رسميًا، بل مارست هيمنة تنفيذية شبه مطلقة على مجمل مشاريع البناء والإعمار والتوسعة والتطوير التي شهدتها الأضرحة الشيعية في العراق بعد عام 2003.

وتُظهر وثائق داخلية وشهادات متعددة أن مفاصل القرار التخطيطي والتنفيذي لم تكن بيد إدارات العتبات المقدسة العراقية، بل كانت محصورة فعليًا بالمقر، الذي عمل ضمن منظومة مركزية عابرة للحدود، ومرتبطة تنظيميًا وعمليًا بالحرس الثوري الإيراني، ولا سيما فيلق القدس.

الدور التنفيذي المباشر لقاسم سليماني

تكشف المعطيات المتوافرة أن القائد السابق لفيلق القدس، قاسم سليماني، اضطلع بدور محوري ومباشر في إدارة ملف العتبات، متجاوزًا أي أطر تنسيقية أو رمزية. ولم يقتصر إشرافه على البعدين الأمني أو السياسي، بل امتد ليشمل تفاصيل فنية دقيقة، شملت:

قيادة اجتماعات التخطيط الاستراتيجي لمشاريع التوسعة والإعمار،

متابعة مراحل التنفيذ الهندسي والمعماري،

التنسيق المباشر مع مهندسين وشركات إيرانية متخصصة.

واللافت أن غالبية هذه الاجتماعات لم تُعقد داخل الأراضي العراقية، بل في مدن إيرانية، ما يعكس بوضوح مركزية القرار خارج العراق، ويؤكد تهميش المؤسسات الدينية والإدارية المحلية، بما يُفرغ مفهوم الشراكة العراقية من أي مضمون حقيقي.

بعد تفجيري سامراء عامي 2006 و2007، برز دور قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني في متابعة الملفين الأمني والعمراني للحرم ومدينة سامراء، وذلك ضمن إطار التنسيق مع الجهات العراقية وميليشيات عراقية محلية جرى استقدامها من خارج المدينة، وكانت تعمل تحت إشرافه المباشر.

وقد كان له دور رئيسي في إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، من خلال التنسيق بين الحكومة العراقية والجهات الدينية واللجان الفنية المختصة بإعادة بناء العتبات المقدسة، مع التركيز على تعزيز الهيكل الإنشائي للحرم، وعدم الاكتفاء بإعادة بنائه بشكل شكلي.

قاسم سليماني، قائد قوة القدس، يتحدث عن دور مقر إعادة إعمار العتبات العاليات في السيطرة على العتبات الدينية في العراق بعد عام 2003، فيما تظهر أمامه وخلفه راية المقر.

وركّز حضوره في هذا الملف على ربط عملية إعادة الإعمار بتعزيز الدور الأمني، بما أفضى إلى ترسيخ هيمنة طويلة الأمد على المدينة، تحت ذريعة حماية المقدسات من الإرهاب، وهو ما شكّل أحد المنافذ الأولى لإيجاد الذريعة للدخول إلى المجتمع العراقي واختراقه.

كما شملت خطط سليماني الهيمّنة مناطق حزام بغداد، في مدن المدائن وبلد والمسيب، وتركزت على مواقع مثل قبور سلمان الفارسي، الإمام السيد محمد، وأولاد مسلم. وقد أدرج نشاطه في هذه المناطق تحت ذريعة تطوير وبناء المزارات الشيعية، وأسس لجنة خاصة تشرف عليها مؤسسته مباشرة (مقر تطوير وإعادة إعمار العتبات).

حسن بولراك يقف إلى يمين قاسم سليماني أثناء إشرافهما على أعمال الأضرحة في العراق

تغييب ممنهج لإدارات العتبات العراقية

بحسب ما تكشفه الوثائق الخاصة بالمؤسسة، لم تكن لإدارات العتبات المقدسة في العراق:

أي صلاحية فعلية في التخطيط.

ولا حق في الاعتراض أو تعديل التصاميم.

ولا دور مؤثر في اختيار الشركات أو الكوادر المنفذة.

واقتصر دور هذه الإدارات غالبًا على:

تسهيل الإجراءات الإدارية المحلية،

توفير الغطاء الشرعي والاجتماعي للمشاريع،

تحمّل المسؤولية الرمزية أمام الرأي العام العراقي،

من دون امتلاك سلطة حقيقية على مسار التنفيذ أو التمويل.

التضليل الإعلامي ونسبة الإنجاز

رغم هذا الواقع، جرى الترويج إعلاميًا داخل العراق لمشاريع الإعمار والتوسعة على أنها من إنجاز العتبات المقدسة العراقية نفسها، في حين أن:

التخطيط.

والتمويل.

والتنفيذ.

والإشراف الفني.

كانت جميعها عمليًا بيد مقر إعادة إعمار العتبات العاليات، وبكوادر إيرانية في الغالب.

ويكشف هذا التباين عن فجوة جوهرية بين السردية الرسمية المعلنة والواقع التنفيذي الفعلي، ما يثير تساؤلات جدية حول الشفافية، وحدود الاستقلال المؤسسي، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الدينية العراقية والجهات الخارجية.

بعض الوثائق الإيرانية باللغة الفارسية توثق الأعمال والإنجازات التي نفذها مقر إعادة إعمار العتبات العاليات، مع الإشارة إلى وجو د المزيد من
الوثائق الأخرى

التمويل الخفي لنفوذ إيران: كيف تُدار واردات الأضرحة خارج الرقابة العراقية

تُعد العتبات المقدسة في العراق، مثل العتبة الحسينية والعباسية في كربلاء والعتبات في النجف وسامراء، مؤسسات دينية ذات استقلال مالي وقانوني كامل. فهي تدير مواردها بمعزل عن الحكومة العراقية، على الرغم من أنها تقدم خدمات عامة ضخمة وتستفيد من البنية التحتية الوطنية، مثل الطرق والكهرباء والمياه والخدمات الأمنية خلال مواسم الزيارات الكبرى.

هذا الفصل بين الإيرادات الدينية والموازنة العامة للدولة خلق ثغرة قانونية كبيرة في الرقابة المالية، استغلها لاحقًا مقر إعادة إعمار العتبات العاليات، خصوصًا بعد إلغاء المادة 21 من قانون العتبات رقم 19 لسنة 2005. ووفق نص المادة:

يلغى نظام العتبات المقدّسة رقم 25 لسنة 1948، وقانون إدارة العتبات المقدسة رقم 25 لسنة 1966، وقانون تعديله رقم 108 لسنة 1983.

هذا الإلغاء منح إدارات العتبات حرية التصرف الكاملة في مواردها المالية، دون أي حق للحكومة العراقية في التدخل المباشر أو الرقابة على الإيرادات والنفقات. وأدى هذا الوضع إلى أن الشركات والجهات الإيرانية المرتبطة بمقر إعادة الإعمار استفادت بشكل كبير من هذه الموارد، بينما لا تعود أي مبالغ إلى خزينة الدولة العراقية. فالعتبات المقدسة تُعتبر كيانات مستقلة ماليًا، لا تُدرج ضمن أملاك الدولة، وتمتلك صلاحيات واسعة في إدارة الإيرادات والاستثمار.

استغلال زيارة الأربعين كقناة مالية وتنظيمية

تمثل زيارة الأربعين الحسينية أكبر تجمع ديني عالمي سنوي، حيث يتوافد ملايين الزوار إلى كربلاء لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام. هذا الحدث لا يُعد مهمًا روحيًا فقط، بل مصدرًا ماليًا هائلًا، إذ تولد الزوار تبرعات مباشرة وخدمات لوجستية متعددة، تشمل النقل والإقامة والطعام والتسوق.

إيران، عبر المقر المركزي لزيارة الأربعين، ساهمت في تنظيم هذه العملية منذ عام 2003، مستغلة ضعف الرقابة العراقية وضعف الإدارة المالية الموحدة للعتبات. ومن خلال هذه المنظومة، تمكنت من:

توجيه الإيرادات المالية الكبيرة المتولدة خلال الموسم عبر لجان وشركات مرتبطة بها.

استخدام جزء من هذه الإيرادات في تمويل أنشطة إقليمية ودينية خارج العراق.

دمج الجانب المالي مع الجانب الإداري والتنظيمي، بما يتيح لها السيطرة على الملف الأمني والخدمي للزيارة.

التمويل الإيراني واستغلال الثغرات القانونية

التحليلات تشير إلى أن إيران استغلت الفجوة القانونية بعد تعديل المادة 21 لتوجيه موارد العتبات لصالح مشاريعها في العراق وخارجه. هذه الموارد لم تُستخدم فقط لتطوير العتبات نفسها، بل امتدت لتشمل:

الشركات الإيرانية المشاركة في مشاريع البناء والإعمار داخل العتبات.

دعم مؤسسات إعلامية وثقافية مرتبطة بإيران في العراق.

تمويل نشاطات دينية وسياسية مرتبط بالإرهاب خارج الرقابة العراقية المباشرة.

بذلك، شكّلت العُتبات المقدسة والأضرحة منصة اقتصادية منخفضة الرقابة تمول قوة القدس المرتبط بالحرس الثوري الايراني، يمكن من خلالها توجيه الأموال بشكل يحقق مصالح إقليمية، مع الحد من قدرة الدولة العراقية على التدخل أو مراجعة هذه الموارد.

الأدلة المرئية والتوثيق الميداني

رسومات متحركة جميلة من تاريخ المقر الرئيسي لتطوير وإعادة بناء الأضرحة المقدسة

تتعزز هذه الاستنتاجات بوجود مواد مرئية موثقة، تشمل:

فيديوهات يظهر فيها قاسم سليماني وأعضاء من فريقه خلال اجتماعات ميدانية وفنية،

عروض صور ومخططات هندسية تفصيلية،

وشروحات مباشرة لطبيعة المشاريع التي جرى تنفيذها تحت إشرافهم.

وتُعد هذه المواد دليلًا إضافيًا على أن دور فيلق القدس في ملف العتبات لم يكن ثانويًا أو استشاريًا، بل تنفيذيًا ومباشرًا، متجاوزًا بكثير الأطر المعلنة رسميًا.

المستشار الإيراني محمد حسين إيرانبور: المتولي على شؤون الأضرحة في سامراء

كلف قاسم سليماني أحد عناصره ومستشاريه، محمد حسين إيرانبور، بالبقاء في العراق لإدارة الوضع في سامراء والإشراف على عمل مؤسسته هناك. وقد ذكر دور سليماني في هذا التكليف خلال اتصال مسجل لإذاعة صوت المقاومة (Radio Resistance).

دلالات سياسية وسيادية

لا يمكن فصل هذه الهيمنة عن سياقها السياسي الأوسع، إذ إنها:

عززت نفوذ الحرس الثوري داخل أكثر الفضاءات حساسية دينيًا واجتماعيًا في العراق،

كرّست تبعية مؤسسات دينية عراقية لمراكز قرار خارج الحدود، وشمل لبنان وسوريا واليمن

وأضعفت قدرة الدولة العراقية على بسط سيادتها، حتى داخل مواقع ذات رمزية دينية ووطنية عليا.

استمرت المؤسسة في العمل حتى بعد مقتل قاسم سليماني، ولا تزال تعمل، حيث تتولى إدارة مشاريع التوسعة الحالية في العتبات المقدسة، بما في ذلك مشاريع استبدال الأبواب والشبابيك الذهبية في العتبات العراقية. وفي هذا السياق، أكّد بيان رسمي للمؤسسة استمرار نشاطها ومسؤولياتها في هذه المشاريع، وها قد مضى 15 عامًا على تأسيسها.

بيان رسمي: المؤسسة تؤكد استمرار نشاطها وتنعى مؤسسها قاسم سليماني

العلاقة بين مقر إعادة إعمار العتبات العاليات والمقر المركزي لزيارة الأربعين الحسينية

من خلال الوثائق التي جرى الكشف عنها، وتتبع المصادر المتاحة، يتضح وجود علاقة وثيقة وتنسيق مباشر بين مقر إعادة إعمار العتبات العاليات والمقر المركزي لزيارة الأربعين الحسينية. وتشير هذه المعطيات إلى أن كلا المقرين قد أُسسا بإشراف قائد قوة القدس، قاسم سليماني، عقب احتلال العراق عام 2003.

ومن خلال هذا التنسيق، سعت إيران ومرشدها إلى إحكام السيطرة على ملف زيارة الأربعين، بوصفها أكبر تجمع ديني عالمي للمسلمين الشيعة، والعمل على توجيهها عقائديًا وتنظيميًا بما يخدم مشاريع سياسية وإقليمية أوسع. وقد جرى ذلك عبر إنشاء مؤسسة حملت اسم المقر المركزي لزيارة الأربعين الحسينية، لتكون الجهة المشرفة والمنظمة لهذا الحدث الديني الضخم.

وتُعد زيارة الأربعين أكبر تجمع ديني سنوي في العالم، حيث يتوافد ملايين الزوار إلى مدينة كربلاء في العشرين من شهر صفر لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، بعد أربعين يومًا من واقعة عاشوراء. وتمثل هذه الزيارة حدثًا بالغ الأهمية من حيث البعد الروحي والتعبوي في الثقافة الشيعية والعالم الإسلامي عمومًا.

ويشير مصطلح المقر المركزي لزيارة الأربعين الحسينية (Arbaeen Central Headquarters) إلى هيئة أو لجنة مركزية تُعنى بتنظيم وتنسيق فعاليات الزيارة، ولا سيما ما يتعلق بتوفير الخدمات، والإعداد اللوجستي، والتنسيق بين الجهات المختلفة، ما يجعلها بمثابة جسم تنظيمي أعلى يعمل قبل موسم الأربعين وخلاله وبعد انتهائه.

وفي هذا الإطار، يظهر التداخل الوظيفي بين المقرين، حيث يتكامل الدور العمراني والخدمي الذي تضطلع به مؤسسات إعادة إعمار العتبات مع الدور التنظيمي والتعبوي الذي يقوم به المقر المركزي لزيارة الأربعين، وهو ما يشكل غطاءً مؤسساتيًا يمكن العمل من خلفه لتحقيق أهداف أوسع، ضمن منظومة واحدة تسعى إلى إدارة الفضاء الديني والاجتماعي المرتبط بهذه المناسبة الكبرى.

ما الدور الذي يقوم به هذا المركز؟

  1. التخطيط والتنظيم العام: يضع الخطط العامة لكيفية إجراء الزيارة من الناحية الخدمية، التنظيمية، والإعلامية. يشمل ذلك تنسيق المسارات، الخدمات الطبية، أماكن الاستراحة، وتأمين الحماية للزائرين.
  2. الخدمات الثقافية والتعليمية: تنظيم برامج دينية وثقافية، ومحاضرات ولقاءات قرآنية، مع إرسال آلاف المبلّغين سنويًا لإرشاد الزوار بالتعاون مع مؤسسات دينية داخل إيران وخارجها.
  3. التنسيق الدولي والإقليمي: تنسيق الجهود بين الدول والهيئات المشاركة، خصوصًا العراق وإيران، لتسهيل عبور الزوار وتنظيم القوافل والمسارات.
  4. التعاون مع الجهات العراقية: العمل مع الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية والبلديات والمؤسسات الخدمية لتأمين الطرق، توفير الخدمات، وإدارة الحشود الكبيرة.
  5. الإشراف الميداني: إدارة فروع ولجان محلية منتشرة في المحافظات العراقية وعلى طرق الزوار، تعمل تحت إشراف المركز خلال موسم الأربعين لضمان انسيابية الزيارة وخدمة الزائرين.
خريطة حدود إيران لحسيني أربعين مع بعدها إلى كربلاء

خريطة تصويرية مكانية تُبي ن المسار الرئيسي لمشي الزائرين، مع تصميم خريطة قابلة للتطوير المستدام على المديين القصير والطويل، خاصة
بزيارة الأربعين الحسيني .

من المسؤول عنه؟

بعد مقتل قاسم سليماني، أُوكلت مهمة إدارة هذا المقر إلى العميد المخضرم في الحرس الثوري الإيراني علي أكبر بورجامشيديان، الذي يشغل حاليًا منصب السكرتير العام لمجلس الأمن القومي الإيراني.

وتعتمد هيكلية مقر الأربعين الحسينية على منظومة من الهيئات واللجان المتخصصة، حيث يوجد على رأس كل هيئة أو لجنة مستشار عسكري تابع للحرس الثوري الإيراني يتولى تنظيم شؤونها والإشراف على عملها. ويُعد هذا الترتيب جزءًا من آلية التحكم المركزي بالمقر وضمان ارتباطه المباشر بالمؤسسة الأمنية الإيرانية.

ويبرز من بين هؤلاء المستشارين، الذين يتمتعون بقنوات تواصل مباشرة مع المرشد الأعلى علي خامنئي، العميد ماجد مير أحمدي، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب نائب وزير الداخلية الإيراني للشؤون الأمنية، ما يعكس حجم التداخل بين الأدوار الأمنية والتنظيمية داخل هذا المقر.

علي أكبر بورجمشيديان يوصف بطل الحرب ومهندس أمن الأربعين في إيران العميد ماجد مير أحمدي

يعمل المركز عمليًا وفق آلية مرحلية منظمة يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

1) مرحلة التخطيط المسبق (قبل الأربعين بعدة أشهر):
يبدأ المركز بوضع الخطط التشغيلية والخدمية، وتوزيع المسؤوليات، وتنسيق مسارات الزوار، إلى جانب تدريب الكوادر والعاملين. كما تُعقد اجتماعات تنسيقية مع الجهات العراقية، والوفود الخارجية، وممثلي البعثات والمؤسسات الدولية ذات الصلة.

2) مرحلة التنفيذ الميداني (أثناء موسم الأربعين):
يتولى المركز الإشراف المباشر على تقديم الخدمات على الأرض، من المنافذ الحدودية العراقية وحتى مدينة كربلاء، مع تنظيم تدفق الزوار، وإدارة الحشود، والتنسيق الأمني، وتوفير خدمات النقل والإسعاف والرعاية الصحية، ومعالجة المشكلات الطارئة.

3) مرحلة التوثيق والتقييم (بعد انتهاء الزيارة):
يقوم المركز بإعداد تقارير تفصيلية وخلاصات عن الأداء، ويُخضع العمل لعملية تقييم شاملة بهدف استخلاص الدروس وتحسين الخطط والخدمات في موسم الأربعين اللاحق.

نموذج من المنشورات الدعوية التي يوثقها المركز، ويوجد العديد من المنشورات الأخرى التي تهدف إلى التوجيه العقائدي

كيف تتحكم إيران بمسارات التفويج والعبور؟

في الآونة الأخيرة، وتحديدًا خلال عام 2023، عملت إيران على توقيع اتفاقية خاصة بتفويج الزوار، وقدمت بموجبها دعمًا لوجستيًا وخدميًا لزوار من جنسيات أجنبية متعددة، سواء من المقيمين على أراضيها أو غير المقيمين فيها، إضافة إلى زوار من دول شرق آسيا، بما في ذلك باكستان وأفغانستان والهند.

وقد نُشرت هذه الاتفاقية ضمن وثيقة رسمية على الموقع الإلكتروني للسفارة الإيرانية في إسلام آباد وباللغة الإنجليزية، حيث تولّت الجهات الإيرانية من خلالها تحديد الشروط والمنافذ المعتمدة لدخول الزوار إلى إيران، ومن ثم عبورهم إلى العراق خلال موسم زيارة الأربعين الحسينية.

ويعكس هذا الإجراء حجم الدور التنظيمي المباشر الذي اضطلعت به إيران في إدارة حركة الزائرين الأجانب، والتحكم بمسارات التفويج والعبور، بما يتجاوز الإطار الخدمي إلى تنظيم إقليمي منسق لواحد من أكبر التجمعات الدينية في العالم.

خاتمة تحليلية: الإعمار بوصفه أداة نفوذ

تكشف تجربة مقر إعادة إعمار العتبات العاليات أن الإعمار لم يكن مشروعًا دينيًا أو خدميًا محضًا، بل تحوّل إلى أداة نفوذ استراتيجي استخدمها الحرس الثوري الإيراني لإعادة تشكيل المجالين الديني والسياسي في العراق، من دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة.

فمن خلال السيطرة على القرار التنفيذي، وتوظيف القداسة الدينية، وبناء شبكات اقتصادية وبشرية مرتبطة به، نجح الحرس الثوري في:

ترسيخ نفوذ طويل الأمد لنهج ولاية الفقيه داخل المجتمع الشيعي،

إضعاف المرجعيات العراقية والمؤسسات الوطنية المستقلة،

وربط المقدّس الديني بمشروع سياسي عابر للحدود.

وبهذا المعنى، لم تعد العتبات مجرد مواقع للزيارة والشعائر، بل تحولت إلى فضاءات نفوذ متنازع عليها، تتقاطع فيها الدين والسياسة والسيادة، ما يجعل مستقبلها مرهونًا بإعادة تعريف العلاقة بين:

الدين والدولة.

المقدّس والوطني.

تظهر الصورة السيد ضياء الدين آغا جان بور، رئيس التنظيم العقائدي في وزارة الدفاع، خلال زيارة غير معلنة إلى مدينتي كربلاء والنجف .

اكتشاف المزيد من مركز المحافظين للسياسات العامة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading