حيدر صبي
تميل الأدبيات الكلاسيكية في العلاقات الدولية الى اختزال قرار الحرب والسلم بيد القوى العظمى بوصفها الفاعل الرئيسي في النظام الدولي ، غير أن التحولات التي شهدها النظام العالمي خلال العقدين الأخيرين ،خاصة مع صعود قوى إقليمية ذات أدوات تأثير مركّبة تفرض إعادة النظر في هذا الافتراض.
في هذا السياق تبرز المملكة العربية السعودية وتحديداً تحت قيادة الأمير “محمد بن سلمان ” بوصفها فاعلاً محورياً لا يمتلك قرار الحرب بالمعنى التقليدي ،لكنه قد يمتلك قدرة مؤثرة على تشكيل بيئة القرار لدى القوى الكبرى.
▪️ قدرة المملكة ومكانتها وقوة “محمد بن سلمان” تتضح من خلال:
أولاً : التحول من القوة الصلبة إلى القوة المركّبة
لا تستند القدرة السعودية الى التفوق العسكري المباشر ،إنّما على ما يمكن تسميته بـ” القوة المركّبة ” (Composite Power) ،والتي تتكون من:
▪️النفوذ الطاقوي
اذ تتحكم السعودية بهامش حرج في سوق النفط العالمي ليس فقط عبر الإنتاج بل عبر قدرتها على ضبط التذبذب السعري ، هذا يمنحها أداة ضغط غير عسكرية تؤثر في اقتصادات الدول الصناعية وبالتالي في قراراتها السياسية .
▪️ القوة المالية والاستثمارية:
وتلك القوة تتمظهر من خلال الصناديق السيادية (خصوصاً صندوق الاستثمارات العامة) ، اذ تمارس الرياض شكلاً من “ الدبلوماسية المالية ” القادرة على خلق أو تعطيل فرص اقتصادية في الغرب والشرق على حدّ سواء.
▪️ الشرعية الجيوسياسية:
موقع المملكة في قلب العالمين العربي والإسلامي يمنحها بُعداً رمزياً يضاعف من تأثيرها ، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الهوياتي واللاهوتي السماوي ، فمليارات المسلمين يطوفون حول محور كعبتها.
هذه العناصر مجتمعة تنتج نفوذاً يساهم في إعادة تشكيل حسابات الكلفة والعائد لدى الآخرين من الدول.
ثانياً : السعودية كفاعل توازني في نظام متعدد الأقطاب
في ظل تراجع الأحادية القطبية ، تتبنى الرياض سياسة خارجية أقرب الى “ التحوّط الاستراتيجي ” (Strategic Hedging) ، فهي ” تحافظ على تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة ، تعمّق شراكاتها مع الصين (اقتصادياً) وروسيا (طاقوياً عبر أوبك+) ، وتنفتح على قنوات تهدئة مع إيران ” في أقل تقدير الى ماقبل بدء الحرب الاخيرة .
هذا النمط يمنحها موقع “ الفاعل التوازني ” (Balancing Actor) القادر على التواصل مع أطراف متناقضة في آن واحد، فالاتصالات مع موسكو بما فيها مهاتفة “محمد بن سلمان” مع فلاديمير بوتين مؤخراً ، وان شملت التنسيق الطاقوي غير اننا لابد وقراءتها في سياق آخر كجزء من بناء قنوات تأثير متقاطعة يمكن تفعيلها في بلحاظ الأزمات .
ثالثاً : العلاقة مع ترمب بين الشخصنة والبنية
تمثل العلاقة بين الأمير ” محمد بن سلمان ” ودونالد ترمب نموذجاً لتقاطع العاملين:
*شخصي بحت : حيث ترمب يميل إلى تفضيل العلاقات المباشرة مع القادة الذين يقدمون له مكاسب اقتصادية واضحة .
*بنيوي إقتصادي، من زاوية المملكة العربية السعودية تعتبر شريك اقتصادي واستثماري ضخم خاصة في مجالات الطاقة والتسليح.
وبالعودة للتأريخ القريب نجد زيارة ترمب الى الرياض عام 2017 لم تكن زيارة بروتوكولية فحسب بل أسست لمرحلة من التنسيق الاقتصادي والسياسي، ترافقت مع تعهدات استثمارية بمئات المليارات من الدولارات ، ولم يتوقف هذا المسار عند تلك اللحظة ، إذ جاءت زيارته الثانية الى المملكة عام 2025 خلال ولايته اللاحقة لتؤكد استمرارية هذا النمط من العلاقة وترسّخ كونها شراكة متجددة قائمة على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية.
وعلى الرغم من ذلك ومن منظور ستراتيجي خاص في الداخل الامريكي القائم على عدم إختزال القرار الأمريكي خاصة في قضايا الحرب بعلاقة شخصية إذ يخضع لمؤسسات عسكرية وأمنية ترى الصراع مع إيران ضمن إطار أوسع من الحسابات.
رابعاً : حدود القدرة .. لا يوجد “ زر إيقاف ”
رغم ما سبق ، فإن افتراض قدرة “محمد بن سلمان” على إيقاف حرب كبرى “ بضغطة هاتف ” نراه يتجاهل ثلاث قيود رئيسية:
1. استقلالية القرار الأمريكي ، فقرار الحرب في الولايات المتحدة نتاج تفاعل بين ” البيت الأبيض البنتاغون ، والكونغرس ” ولا يخضع بالكامل للضغوط الخارجية.
2 . منطق الردع مع إيران ،وهذا يعني أي تراجع مفاجئ دون مقابل قد يُفسَّر كضعف ، ما يعزز السلوك التوسعي الإيراني بدلاً من كبح جماحه.
3 . تعقيد مسارح الصراع ، فالحروب الحديثة متعددة المستويات (مباشرة ، بالوكالة ، اقتصادية) ولا يمكن إنهاؤها بقرار أحادي.
خامساً : المعضلة الخليجية بين التهدئة والردع
تصريح الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الذي أكد رغبة دول المجلس في بناء علاقات طبيعية مع إيران وحل القضايا الأمنية بشفافية يعكس توجهاً نحو إدارة الصراع بدلاً من حسمه .
لكن هذا التوجه يقع ضمن معضلة ستراتيجية تتمحور بين ( التهدئة التي قد تُفسَّر كعقلانية دبلوماسية تقلل من مخاطر الحرب وبين قراءتها إيرانياً كإشارة ضعف، ما يشجع على توسيع النفوذ )..وهنا يظهر دور السعودية كـ” مدير توازن ” (Balance Manager) لا يسعى إلى إنهاء الصراع جذرياً بل إلى إبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها.
سادساً : سيناريو التدخل .. التكلفة والنتائج
في حال تدخل الأمير ” محمد بن سلمان ” بشكل مباشر لطلب إيقاف الحرب من واشنطن، فيمكن تصور حصول ثلاث نتائج ؛
1 . استجابة أمريكية جزئية ، بمعنى تهدئة تكتيكية دون تغيير استراتيجي.
2 . رفض أمريكي، حال تعارض الطلب مع أهداف الردع أو الهيبة الدولية.
3 . استجابة كاملة (أقل احتمالاً) ، وهنا تأتي الخشية من أن تُفسَّر كتنازل استراتيجي يمنح إيران مكاسب نسبية.
ومنه نلاحظ إنه لا يمكن أن يكون القرار سعودياً بحتاً قدر وضعه بسياق التفاعل المعقد بين المصالح المتشابكة، فالسعودية لا تمتلك القدرة على إيقاف الحروب بالمعنى الحرفي ، لكنها تمتلك ما هو أكثر دقة وأهمية ، ” القدرة على تعديل مساراتها وحدودها “.
وان الأمير ” محمد بن سلمان ” ليس ( صاحب زر الإيقاف ) غير أنه يجيز لنا وضعه كلاعب يعمل على لوحة مفاتيح كاملة يعيد من خلالها ضبط الإيقاع بين التصعيد والتهدئة ،في نظام دولي يتجه نحو السيولة والتعددية تحدد من خلالها رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد.
