تخطى إلى المحتوى

مشروع الموازنة 2027 إنفاق لم يسبق له مثيل في التاريخ المالي للعراق الحديث

الوسوم:

Shares

‏ 

الخبير عماد عبداللطيف

رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي أكد في كلمة له أمام مجلس النواب العراقي: “لا أحد لهُ علاقة بارتفاع سعر الصرف، وأنا وحدي المسؤول عن ذلك”.

‏تُرى هل التزمت الحكومات العراقية المتعاقبة (بما فيها حكومة الزيدي) بما نصّت عليه القوانين النافذة (ذات الصلة بالسياستين النقدية والمالية) عند اعدادها وتنفيذها للموازنة العامة للدولة للسنوات المالية السابقة، وأيضاً للسنة المالية القادمة 2027، أو عند تغييرها الأخير لسعر صرف الدينار مقابل الدولار؟

‏  إنّ ما تسرّبَ عن مشروع الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية 2027 يشير إلى حجم تاريخي لهذه الموازنة بإنفاق قدره 217.239 ترليون دينار، وهو انفاق لم يسبق له مثيل في التاريخ المالي للعراق الحديث، وبنسبة عجز تقدّر بـ 43 ترليون دينار.

‏وعلى وفق تقديرات صندوق النقد الدولي فإنّ الناتج المحلي الإجمالي للعراق يُقدّر بـ 265 مليار دولار( بما يعادل 397.500 ترليون دينار بسعر الصرف الجديد).. وهذا يعني أنّ العجَز في الموازنة العامة المُقتَرَحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 10.8%.. وهذه أوّل مخالفة صريحة لقانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 (المادة-6- رابعاً) التي تنص على أنّهُ “لا يجوز أن يزيد العجز في الموازنة التخطيطية على 3% من الناتج المحلي الاجمالي”.

‏أمّا فيما يتعلٌّق بتغيير سعر الصرف و تحمُّل دولة السيد رئيس مجلس الوزراء المسؤوليّة “الشخصيّة” عنه (دون غيره)، فإنّ المادة (2) الخاصّة بالصفة القانونية والاستقلال في قانون البنك المركزي العراقي الصادر عن “سلطة الأتلاف المؤقتّة المُنحَلّة) بالأمر رقم 56 لسنة 2004 (والتي ما تزال نافذة المفعول دون أيّ تعديل إلى هذه اللحظة) تنُصّ على ما يأتي:

‏المادة (2) -2- : “يتمتّع البنك المركزي بالاستقلال فيما يقوم به من مساعي بغية تحقيق أهدافه وتنفيذ مهامه، ويخضَع للمسائلة وفقاً لما ينُصّ عليه هذا القانون.. ولا يتلقّى البنك المركزي العراقي أيّة تعليمات من أيّ شخصٍ أو جهةٍ ما، بما في ذلك الجهات الحكوميّة.. ويتمّ احترام استقلال البنك المركزي العراقي.. ولن يسعى أي شخص أو جهة من التأثير على نحو غير ملائم على أيّ عضو من أعضاء أيّة هيئة لصنع القرار تابعة للبنك المركزي العراقي فيما يتعلّق بالقيام بواجبات وظيفته تجاه البنك.. ولن يقوم أيّ شخصٍ أو جهة بالتدخّل في نشاط البنك”.

‏المادة (3) –الأهداف : “تتضمن الأهداف الرئيسة للبنك المركزي العراقي تحقيق الاستقرار في الأسعار المحلية والعمل على الحفاظ على نظام مالي ثابت يقوم على أساس التنافس في السوق”.

‏المادة (4) – 1: تشمل مهام البنك المركزي العراقي ما يلي: (أ) : “صياغة السياسة النقديّة وتنفيذها في العراق، بما في ذلك سياسة الصرف الأجنبي”.

‏المادة (26) : حظر اقراض الحكومة (1) : “لا يمنح البنك المركزي العراقي أيّة اعتمادات مباشرة أو غير مباشرة للحكومة أو لأيّة هيئة عامة أو جهة مملوكة للدولة”.

‏وكان رفض اقراض البنك المركزي للحكومة باعتباره مُخالَفة صريحة لقانون البنك المركزي النافد هي نقطة الخلاف الرئيسة بين محافظ البنك المركزي الأسبق د.سنان الشبيبي وبين رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، والتي انتهت بإعفاء السيد الشبيبي من منصبه وهو خارج العراق، بينما تمّ اعتقال نائب المحافظ الأسبق (والمستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء الحالي د.مظهر محمد صالح) فور وصوله إلى بغداد، واعفاءه من منصبه أيضاً.

‏ومع ذلك “يجوز للبنك المركزي العراقي بموجب المادة (30) أن يُقدِّم للمصارف التجاريّة المملكة للحكومة والتي تخضع لإشراف البنك المركزي العراقي مساعدات سيولة، على أن تُقدَّم هذه المساعدات بنفس الشروط والأحكام التي تُنظِّم تقديم المساعدات لصالح المصارف التجاريّة الخاصّة”.

‏إنّ مراجعة هذين القانونين (على سبيل المثال لا الحصر) تكشف عن مخالفات “تنفيذيّة” خطيرة لأحكام المواد الواردة فيهما.

‏لذلك يجب أن يكون جميع المعنيّين (ومعهم كبار المسؤولين التنفيذيين) عن رسم وصناعة السياسة الاقتصاديّة العامة في العراق(ومنها السياستين النقديّة والمالية) على دراية تامّة بأحكام هذين القانونين، وما تضمّنته هذه الأحكام من اشتراطات ومعايير وقيود والتزامات لكي لا تكون “المُخرَجات” في نهاية المطاف (بما تنطوي عليه من سياسات وإجراءات ومشاريع قوانين مالية –اقتصاديّة) عُرضة للاجتهادات “الشخصيّة” والتفسيرات غير المنطقيّة، والتصرفّات المُخالِفة وغير الخاضعة لأيّة قيود تنُصُّ عليها المواد والأحكام النافدة بهذا الصدد.

‏إنّ عدم الإلمام بهذه القوانين، وعدم السعي لتعديلها بما يتوافق مع تغيُّر الاحتياجات وتبَدُّل المتغيّرات، هو الذي يدفعنا (في كُلِّ مرّةٍ نقومُ بها بصناعةِ سياسةٍ أو اقتراحِ مشروعٍ أو اتّخاذ قرارٍ له صِلةٌ بالشأن الاقتصادي) لاختراع “العَجَلة” من جديد.. تلكَ العَجَلة التي تمَ اختراعها في العراق قبل سبعةِ آلافِ عام.

اكتشاف المزيد من مركز المحافظين للسياسات العامة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة