هبة عبد الوهاب الفدعم
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته بمعزل عمّا سبقه. إيران لم تُفاجأ بهذه الحرب، بل هيّأت لها منذ الصيف الماضي حين بدأت الضربات تتراكم وتتصاعد على جسدها ومحيطها.
فقد شكّل هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحوّل مفصلية، إذ أعقبه تصعيد متزامن على جبهات عدة، أبرزها تحركات حزب الله اللبناني والفصائل الإيرانية في العراق، إلى جانب الحوثيين في اليمن.
ذلك التزامن لم يكن عفوياً؛ فالقراءة المتأنية للمشهد تكشف عن بنية تنسيق دقيقة تتجاوز مفهوم الوكيل التقليدي نحو ما يشبه الجسم الموحّد الذي تحرّكه عصب مركزي واحد.
غير أن المدقق في المشهد يلاحظ سمة استراتيجية بالغة الأهمية، وهي أن إيران تُحرّك وكلائها بالتتابع لا بالتوازي.
في المرحلة الأولى، استأثر حزب الله والحوثيون بالزخم الأكبر، فيما عملت الفصائل العراقية في الظل.
أما اليوم، وفي خضمّ حرب باتت تُخاض داخل الجغرافيا الإيرانية ذاتها، فقد تصدّر الوكلاء في العراق المشهد بصورة لافتة.
إيران جعلت من العراق خطاً أمامياً في حربها منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتها في الثامن والعشرين من فبراير، وهي تُوظّف الميليشيات العراقية لاستهداف القواعد الأمريكية في العراق وخارجه وضرب مناطق حيوية في تصعيد متواصل يُلقي العراق باتجاه محرقة.
جذور خارج الحدود – إيران تزرع ما يُبقيها على قيد الوجود
ثمة مفارقة جوهرية تحكم هذه الحرب. إيران تخوض داخل حدودها معركة وجودية عدمية، لكنها خارج هذه الحدود تعتمد على جذور راسخة زرعتها بالعمق وبعيدة عن متناول أي ضربة جوية.
فقد استغرقت إيران عقودًا في بناء شبكة واسعة من الوكلاء في أنحاء المنطقة، وهو مسعى نجحت فيه إلى حدٍّ كبير، مما وضع العالم العربي أمام ضغوط هائلة، بل وساق المشهد السياسي إلى تحديات كبيرة مواجهاً بذلك أزمات ذات زوايا حادة، لا أحد يمكنه التكهن إن كان قادراً على الخروج منها بنفس النسق الذي دخل بها.
هذا الحضور ليس طارئاً، فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، انتهجت إيران استراتيجية ذات ركيزتين، وهي إرساء حكومة موالية وإيرانية الهوى والميول عبر دمج حزب الدعوة والمجلس الأعلى وتنظيم بدر في النظام السياسي الجديد.
وفي الوقت ذاته رعاية مقاومة مسلحة من خلال دعم الميليشيات القائمة وإنشاء فصائل جديدة مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق.
هذه الشبكة هي ما يجعل مشروع تصفية النفوذ الإيراني مشروعاً بالغ التعقيد، إذ لا يكفي توجيه ضربات إلى طهران ما لم تُقطع الجذور الممتدة في عمق المنطقة والعمل على إيجاد حل جذري للتخلص من البيئة التي ساعدت على نشوئها.
قطع الرأس لا يوقف الجسد – مقتل نصرالله
في السابع والعشرين من سبتمبر 2024، نفّذت إسرائيل ما طالما سعت إليه، اغتيال حسن نصرالله، أمين عام حزب الله لاثنين وثلاثين عاماً، وذلك في ضربة جوية دمّرت مقراً تحت الأرض بستين قدماً في الضاحية الجنوبية لبيروت، باستخدام أكثر من ثمانين قنبلة.
كان الحدث صادماً بكل المقاييس، وأسقط رجلاً لم يكن مجرد رمز، بل كان العقل الاستراتيجي والعسكري الذي بنى حزب الله وحوّله إلى قوة إقليمية لإيران داخل الجسد العربي، غير أن التاريخ يُعلّمنا درساً قاسياً. ضربات الاغتيال ضرورية لكسب المعارك، لكنها لا تكفي وحدها لكسب الحرب.
إسرائيل اغتالت قائد حزب الله العسكري عماد مغنية عام 2008، فازداد الحزب قوةً في السنوات التالية.
واغتالت مؤسس حماس الشيخ أحمد ياسين، لكن الحركة لم تنهار وواصلت مسيرتها حتى أكتوبر 2023.
حزب الله في مرحلته الثالثة سيكون أكثر تقلباً وتأزماً في المدى القصير والمتوسط لأن قياداته مُنكّسة وموارده شحيحة وبيروقراطيته مدمّرة.
لكن المنظمة لن تنهار فوراً؛ إذ لا تزال تمتلك مئات الآلاف من المقاتلين وترسانة صاروخية ضخمة.
بل إن إيران أرسلت المزيد من مسؤولي الحرس الثوري إلى لبنان لملء الفراغ القيادي وإعادة الهيكلة من الداخل.
الجسد لم يمت حين قُطع رأسه، هو يبحث عن قيادة هرمية جديدة.
سقوط الأسد – انقطاع الوريد لا موت الشريان
لم يكد العالم يستوعب صدمة نصرالله حتى جاءت ضربة موجعة أخرى لطهران، سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، وانهيار عقود من الاستثمار الإيراني في سوريا في أسابيع معدودة.
خسرت إيران قاعدة استراتيجية عميقة ومسار إمداد رئيسياً لحزب الله، لينهار بعدها ما كان يعرف بـ(الهلال الشيعي)، تولّى الرئيس أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية، معلناً منذ اليوم الأول موقفاً لا لبس فيه من الوجود الإيراني.
فقد صرّح الشرع بأن المعارضة السورية «أعادت المشروع الإيراني في المنطقة إلى الوراء أربعين عاماً»، مؤكداً أن إخراج الميليشيات الإيرانية وإغلاق سوريا أمام نفوذها حقّق ما عجزت عنه الدبلوماسية والضغوط الخارجية.
كما أعلن الشرع في مقابلات متعددة أن إيران تركت «جرحاً عميقاً» في سوريا، وأن استئناف العلاقات مشروط بوقف تام للتدخل في الشؤون الداخلية وعدم إذكاء التوترات الطائفية.
الممر اللوجستي الإيراني إلى حزب الله قد فُكّك، وروسيا باتت تُخاطر بفقدان موطئ قدمها العسكري في سوريا، لكن الحذر يقتضي ألا نستعجل الحكم بالنهاية المطلقة.
إيران قد تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع فصائل أكثر راديكالية أو رعاية تمرّدات بديلة عن موطئ قدمها المفقود في سوريا، تماماً كما دعمت حماس بديلاً عن السلطة الفلسطينية، والأهم أن خسارة سوريا لم تُنهِ إيران، بل أعادت توجيه مساعيها نحو العراق بشكل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
العراق وحزمة من الأزمات
يستحق العراق وقفة تحليلية خاصة، لا لأنه مجرد ساحة جانبية، بل لأنه بات المحور الذي تدور حوله الحرب في مرحلتها الراهنة، والمشكلة الجوهرية أن العراق دخل هذه المرحلة يحمل من الأزمات ما يجعله في أشد حالات الهشاشة البنيوية.
على الصعيد السياسي، أفرزت انتخابات نوفمبر 2025 مشهداً بالغ التشتت، فاز ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة السوداني بستة وأربعين مقعداً فقط من أصل ثلاثمئة وتسعة وعشرين، ما يعني أن العراق مقبل على مرحلة مطوّلة من التفاوض السياسي المضني قبل أن تتشكّل حكومة جديدة، تماماً كما جرى في 2010 و2021.
وفي ظل هذا الفراغ، تبقى حكومة السوداني في وضع تصريف الأعمال، مجرّدةً من صلاحيات فاعلة.
المشهد داخل البيت الشيعي لا يقل تعقيداً، المالكي اعتاد على ترشيح رئيس وزراء (قابل للسيطرة) ثم يعمل على إضعافه تدريجياً كما فعل ذلك مع العبادي، ويبدو أنه كرّر الأمر مع السوداني.
أما عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، فتجمع بين النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي في آنٍ واحد.إذ فازت حركة الصادقون المرتبطة بها بسبعة وعشرين مقعداً في الانتخابات الأخيرة.
أما التيار الصدري، فرغم غيابه الانتخابي، يبقى قوةً احتياطية ذات ثقل لا يُستهان به، وإن كان بوضع المراقب فإن حضوره يُعقّد أي معادلة حكومية.
يُضاف إلى ذلك هشاشة البيت السني وحضوره الأكثر غياباً في مشهد تاريخي سياسي يعيشه العراق.
دولة داخل الدولة – الحشد الشعبي وامتداداته في المشهد العراقي
في قلب هذا المشهد تقبع حقيقة لا يمكن تجاهلها، ثمة قوة في العراق توازي مؤسسات الدولة في حجمها وتتفوق عليها في نفوذها.الحشد الشعبي يضم نحو 230 ألف عنصر منتظمين في 67 فصيلاً، كثير منها يعمل باستقلالية تامة عن القيادة العسكرية الرسمية.
ويتحكم في قطاعات واسعة من الاقتصاد العراقي من خلال شركات تابعة، ويُمارس نفوذاً على مؤسسات الدولة عبر كياناته السياسية المندمجة في الإطار التنسيقي.
هذه الفصائل لا تقف خارج الدولة، بل تسكن في داخلها.
منذ عام 2014، تزايد نفوذ الوكلاء الإيرانيين على الدولة العراقية عبر آليات غير عسكرية، كالسيطرة المؤسسية وتوظيف الأطر القانونية.
في انتخابات 2018، حصلت العصائب على خمسة عشر مقعداً، ودعمت مع بدر والمالكي تشكيل حكومة عبد المهدي التي سهّلت توسّع نفوذ الميليشيات.
عدد المقاعد المرتبطة مباشرة بالفصائل المسلحة في البرلمان الحالي يتجاوز 66مقعداً، أي أكثر من ثلث الكتلة الحاكمة، وهو ما يكشف عن عمق النفوذ الميليشياوي داخل المؤسسة التشريعية.
هذا ليس تغلغلاً عارضاً، بل استراتيجية ممنهجة للاستيلاء على مفاصل الدولة من الداخل.
امتدت لتشمل حتى القطاع المصرفي، إذ استغل مسؤولون في البنوك العراقية مواقعهم لإثراء الحرس الثوري الإيراني وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق. مانحين الحرس الثوري درجة من السيطرة على بنوك تحت إشرافهم.
تكشف القراءة المتكاملة لهذا المشهد حقيقة مركزية يجب التوقف عندها.وهي أن التركيز على مناطق ضعف إيران لم يعد كافيًا لفهم سلوكها.
فهذه المناطق باتت واضحة ومكشوفة، لكن ما يسترعي الانتباه فعليًا هو مراكز القوة التي مكّنتها من الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها رغم الضربات.
إيران أسست مشروعها الإقليمي على مبدأ التكرار والتعويض، حين سقط نصرالله، تحرّك الحرس الثوري لملء الفراغ. حين سقط الأسد، تكثّفت الرهانات على العراق. وحين تُضرب طهران من الداخل، تتقدّم الفصائل العراقية لتكون رأس الحربة.ونفس الإيقاع يتكرر حين تردده فصائل أنصار الله في اليمن. هذه ليست هشاشة، بل مرونة مُبرمجة داخل بنية المشروع نفسه. لكن الأخطر أن هذه القوة لا تقتصر على إدارة الوكلاء، بل تمتد إلى ممارسات تتجاوز حدود الدول.
فإيران تمارس أنماطًا من السلوك العدائي المنظّم، من استهداف دول الخليج وتهديد أمنها، إلى استخدام أدواتها في تعطيل الملاحة الدولية.
وصولًا إلى ما نشهده اليوم من تصعيد (قرصنة إيرانية) في مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى أحد أبرز ساحات الضغط والابتزاز في هذه الحرب.
إيران التي لم تكتفِ ببناء نفوذ داخل الدول، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر فرض معادلة تقوم على تصدير الأزمات وخلق بؤر توتر مستمرة في محيطها الإقليمي.
هذا السلوك الإرهابي الذي ترسّخ عبر عقود، لن يُطوى بسهولة، ولن تنهيه حرب واحدة، مهما بلغت حدّتها.
وعليه، فإن إدراك هذه البنية (التركيز على مواطن القوة) هو الشرط الأول لأي استراتيجية تسعى إلى التعامل مع هذا المشروع وقطع شرايينه.
وهو ما يبدو أن صانعي القرار لا يزالون يحاولون استيعابه، وسط ضجيج المعارك، وأوراق الضغط الإيرانية وتسارع الأحداث.
⸻
هبة عبد الوهاب الفدعم
باحثة في شؤون الشرق الأوسط السياسية والاجتماعية – مساهمة في منتدى الخليج الدولي ومركز ولسون لقضايا الشرق الأوسط | الولايات المتحدة الأمريكية، العاصمة واشنطن
