تخطى إلى المحتوى

لقاء غير معلن بين سعدون حمادي وكيسنجر واستراتيجية اسرائيل في امريكا

Shares

مذكرة سرية تضمنت حديثآ المحادثة بين وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر ونظيره العراقي سعدون حمادي في منزل السفير العراقي بباريس، لكسر الجمود الدبلوماسي في 17 ديسمبر كانون الاول 1975.

القضية الفلسطينية: ركز حمادي على أن الدعم الأمريكي لإسرائيل هو العائق الرئيسي للعلاقات ، معتبراً إياها كياناً استعمارياً يهدد الأمن القومي، ورد كيسنجر بأن نفوذ إسرائيل سيتراجع مستقبلاً لتصبح،”دولة صغيرة كبنان”، مؤكداً سعي واشنطن لتسوية لا تهيمن فيها إسرائيل.

الملف الكردي: طمأن كيسنجر العراق بأن واشنطن لن تدعم أي أنشطة تمس سلامة أراضيه بعد اتفاقية الجزائر مع إيران.

العلاقات الثنائية: اتفق الطرفان على استمرار التواصل “حسب مقتضى الحال” عبر نيويورك، مع فصل التعاون الاقتصادي والتقني عن الخلاف السياسي العميق.

المشاركون:

سعدون حمادي: وزير خارجية العراق.

صالح مهدي عماش: سفير العراق بفرنسا.

هنري كيسنجر: وزير خارجية أمريكا.

عيسى صباغ: دبلوماسي أمريكي.

بيتر رودمان: مجلس الأمن القومي الأمريكي.

نص الحديث

__________________

*هنري كيسنجر:

لم تكن هناك اتصالات تذكر بين بلدينا في السنوات الأخيرة، وأردت انتهاز هذه الفرصة لإرساء تواصل بيننا، وأعلم أننا لن نحل جميع مشاكلنا في اجتماع واحد، بل سيتطلب الأمر اجتماعين على الأقل (ضاحكاً).

لقد اعتقدت أن تبادلاً قصيراً لوجهات النظر سيكون مفيداً، وأقدر لك حسن استقبالي.

*سعدون حمادي:

بسعدني لقاؤكم يا صاحب السعادة، ولم تكن بيننا اتصالات لأسباب تعرفونها ونعرفها، ومن المفيد دائماً تبادل وجهات النظر.

*هنري كيسنجر:

موقفنا الأساسي هو أننا لا نعتقد بوجود صدام جوهري في المصالح الوطنية بين العراق والولايات المتحدة. لقد وقف العراق والولايات المتحدة لأسباب متنوعة في جبهتين متقابلتين، لكننا نجحنا في تطبيع العلاقات مع معظم الدول العربية الأخرى، ولا نرى، من منظور وطني بحت، عوائق مستعصية من جانبنا، وربما لديكم وجهة نظر مختلفة.

*سعدون حمادي:

بالطبع لدينا وجهة نظر مختلفة، وسأخبركم بالسبب. العراق جزء من العالم العربي، ونحن نؤمن بأن الولايات المتحدة كانت العامل الرئيسي في بناء إسرائيل لتصل إلى ما هي عليه اليوم.

*هنري كيسنجر:

هذا صحيح

*سعدون حمادي:

لقد أُنشئت عام 1948 ولم يكن لها أن تستمر إلى يومنا هذا لولا الولايات

المتحدة.

*هنري كيسنجر:

الاتحاد السوفيتي كان نشطاً آنذاك أيضاً.

*سعدون حمادي:

صحيح، ولذلك شابت علاقاتنا بالاتحاد السوفيتي بعض التوتر، فعلاقاتنا الجيدة معه حديثة العهد نسبياً، إذ لم يكن الشيوعيون يتمتعون بشعبية لدى الجماهير حينها، لكن الفرق يكمن في أنكم تؤمنون بأن إسرائيل وجدت لتبقى، بينما نحن نؤمن بأنها أنشئت بالقوة وهي حالة استعمارية واضحة، إذ قامت على جزء من وطننا، وأنتم لا تشاطروننا هذا الرأي، بيد أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فإسرائيل الآن تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العراقي.

*هنري كيسنجر:

كيف تهدد العراق؟

*سعدون حمادي:

لقد تحولت إسرائيل إلى قوة عسكرية قادرة على تهديد العراق، خاصة مع الأنباء التي نقرؤها عن تزويد الولايات المتحدة لها بأسلحة متطورة، لذا، التهديد لا يطال العالم العربي فحسب، بل يطال العراق نفسه كجزء من هذا العالم وكدولة بحد ذاتها.

نحن نعتقد أن الولايات المتحدة تبني قوة إسرائيل لتكون لها اليد العليا في المنطقة.

حتى لبنان، يقولون إنه يؤثر على أمن إسرائيل.

إسرائيل نووية وقوية ومهيمنة؛ وأي حدث في العالم العربي يُفسر على أنه تهديد لها، حتى لو كان مجرد تغيير للحكومة في العراق.

*هنري كيسنجر:

انطباعي هو أنه إذا غيرتم حكومتكم في العراق، فلن يعترضوا (ضاحكاً). أنا أتفهم مشكلتكم.

*سعدون حمادي:

هذا تصوري للمشهد الحالي وصولاً لعام 1980. أنتم تقولون إن الولايات المتحدة تضع ثقلها لتحقيق تسوية، لكن هذه تسوية وليست سلاماً. ستبدأ موجة جديدة من الاضطرابات والصدامات لأن إسرائيل ليست دولة تكتفي بحدودها، والسجل التاريخي يثبت أنها ستتوسع كلما وجدت الفرصة، وهي مدعومة من أكبر قوة في المنطقة.

ما تفعله الولايات المتحدة ليس خلق سلام، بل خلق وضع تهيمن عليه إسرائيل، مما سيولد موجة جديدة من النزاعات.

*هنري كيسنجر:

أفهم ما تقول. حين أقول إننا مستعدون لتحسين العلاقات مع العراق، فنحن يمكننا العيش بدونها، لكن سياستنا هي المضي نحو علاقات أفضل

أعتقد، بالنظر إلى التاريخ، أنه عند إنشاء إسرائيل عام 1948، لم يفهم أحد أبعاد ذلك حقاً؛ فقد نبع الأمر من السياسة الداخلية الأمريكية، وكانت المنطقة بعيدة وغير مفهومة جيداً، لذا، لميكن مخططاً أمريكياً لزرع معقل للإمبريالية، بل كان الأمر أقل تعقيداً من ذلك، وأود القول إنه حتى عام 1973، كان للجالية اليهودية نفوذ هائل، لكن هذا تغير في العامين الماضيين نتيجة للسياسة التي نتبعها.

نحن لا نحتاج لإسرائيل ليكون لنا نفوذ في العالم العربي، بل على العكس، إسرائيل تضرنا في العالم العربي أكثر مما تنفعنا. أنت نفسك قلت إن اعتراضك علينا هو إسرائيل، ربما باستثناء كوننا رأسماليين.

لا يمكننا التفاوض حول “وجود” إسرائيل، ولكن يمكننا تقليص حجمها إلى أبعاد تاريخية.

أنا لا أتفق مع فكرة أن إسرائيل تشكل تهديداً دائماً؛ فكيف لأمة من ثلاثة ملايين نسمة أن تكون تهديداً دائماً؟ لديهم تفوق تقني الآن، لكن من غير المتصور أن شعوباً تملك الثروة والمهارة والتاريخ كالعرب لن تطور القدرات اللازمة، لذا، أعتقد أنه خلال عشر إلى خمس عشرة سنة، ستكون إسرائيل مثل لبنان؛ تصارع من أجل البقاء، بلا نفوذ في العالم العربي.

أما بخصوص الأسلحة الجديدة التي ذكرتها، فلن يتم تسليمها في المستقبل المنظور، وكل ما وافقنا عليه هو دراسة الأمر، ولم نوافق على أي

*هنري كيسنجر:

أي عمليات تسليم من المخزونات الحالية.

العديد من هذه الأسلحة لن يتم إنتاجه حتى عام 1980، ولم نوافق على تسليمها حينذاك.

إن سياستنا تتمثل في تحريك الموقف نحو السلام وتحسين العلاقات مع العالم العربي. العراق ليس طرفاً مفاوضاً، لكنني أعتقد أن سياسة مصر وسوريا في تحسين العلاقات معنا تساعدنا على ممارسة الضغط من أجل التسوية.

الإسرائيليون يفضلونكم على السادات، لأنهم يحبون وضع الأمور في إطار صراع أمريكي-سوفيتي، ونحن لا نريد منكم بناء علاقات غير ودية مع الاتحاد السوفيتي، ولا نتدخل في علاقاتكم معه، لكن الإسرائيليين يفضلون العرب المتشددين.

إذا كانت القضية هي وجود إسرائيل، فلا يمكننا التعاون، أما إذا كانت القضية هي حدود أكثر طبيعية، فيمكننا التعاون. لقد مضينا نحو التطبيع مع الآخرين، باستثناء ليبيا، وسنتحرك تجاه جنوب اليمن.

*سعدون حمادي:

نحن نقف على الجانب الآخر من السياج، ومن حقنا أن نطرح العديد من الأسئلة.

*هنري كيسنجر:

نفضل، كلي آذان صاغية.

*سعدون حمادي:

بالنظر إلى السجل التاريخي، ما الذي يدفعنا إلى تصديق أن الولايات المتحدة لن تستمر في سياسة الدعم اللامحدود التي انتهجتها على مدار العشرين عاماً الماضية؟

*هنري كيسنجر:

هذا يعتمد على ما تقصده بالدعم اللامحدود. ثمة تغيير مهم واحد في أمريكا… لقد كان السيد صباغ معي عندما قابلت الملك فيصل للمرة الأولى، وأخبرته حينها أن الأمر سيستغرق بضع سنوات، وأن علينا التحرك ببطء، وقد ابلغت جميع العرب بذلك؛ والآن وصلنا إلى نقطة في أمريكا تغيرت فيها التوجهات، فعندما أدلي بشهادتي أمام اللجان في الكونجرس، أواجه أسئلة عدائية بشكل متزايد بشأن إسرائيل.

لا أحد يؤيد تدمير إسرائيل، ولن أضللك في هذا الشأن، وأنا لست مؤيداً لتدميرها أيضاً، ولكن الدعم في الستينيات كان يتراوح بين 200 إلى 300 مليون دولار، أما الآن فقد وصل إلى مليارين أو ثلاثة مليارات دولار، وهو ما يستحيل استدامته؛ فنحن لا يمكننا حتى الحصول على هذا المبلغ لمدينة نيويورك! إنها مسألة وقت فقط قبل أن يحدث التغيير، من سنتين إلى ثلاث سنوات.

وبعد التوصل إلى تسوية، ستكون إسرائيل دولة صغيرة صديقة لا تملك حق السحب غير الحدود، ومن الغريب أنها ستتأثر بقانون الانتخابات الجديد لدينا؛ لذا فإن نفوذ بعض الذين كانوا يمولون الانتخابات في السابق لن يكون كبيراً، وهذا أمر لم يلاحظه الكثيرون بعد، وسيستغرق بضع سنوات لكي يُفهم بالكامل.

*هنري كيسنجر:

لذا، أعتقد أن التوازن في أمريكا آخذ في التحول، هذا إذا لم يرتكب العرب، إن أمكنني أن أكون صريحاً، أي حماقة، فإذا ما وقعت أزمة مرتبطة بالاتحاد السوفيتي، فقد تحولها بعض الجماعات في أمريكا إلى حملة صليبية مناهضة للشيوعية.

*سعدون حمادي:

إذن، تعتقد أن السياسة الأمريكية بعد التسوية لن تظل كما هي؟

*هنري كيسنجر:

نحن نريد بقاء إسرائيل، ولكن ليس هيمنتها على المنطقة.

لا أحد يستطيع غزو العالم العربي؛ فحتى لو استولوا على دمشق والقاهرة وعمان، فستظلون أنتم موجودين، وستظل ليبيا موجودة، لذا، إذا كانت إسرائيل تريد البقاء كدولة مثل لبنان، كدولة صغيرة، فيمكننا دعمهم.

*سعدون حمادي:

وما هو التفكير الإسرائيلي؟

*هنري كيسنجر:

اولًا يريدون التخلص مني لأنني أجبرتهم على التراجع، وثانياً، يريدون في عام 1976 استفزاز العرب، في لبنان وسوريا، لأنهم يعتقدون أنه إذا نشبت حرب فبإمكانهم الانتصار بها وإثارة اضطرابات هائلة، وثالثاً، إنهم يأملون أن يعود العرب إلى وضع شبيه بما كان عليه الحال بين عامي 1967 و1973، حيث يتبنى السوريون والمصريون خطاَ مناهضاً لأمريكا، ليتسنى للإسرائيليين القول إنهم الصديق الوحيد لأمريكا في الشرق الأوسط.

ما يريدونه هو بالضبط ما تتوقعه أنت، أن يكونوا الصديق الوحيد؛ ونحن نريد أصدقاء آخرين لتقويض هذه الذريعة.

المساعد العراقي

صاحب السعادة، هل تعتقد أن التسوية ستأتي من خلال الفلسطينيين في المنطقة؟ كيف تقرأ هذا الأمر؟ وهل في وسعكم خلق مثل هذا الشيء؟

*هنري كيسنجر:

ليس في عام 1976، ويجب أن أكون صريحاً جداً معك في هذا الشأن.

أعتقد أنه يجب الاعتراف بالهوية الفلسطينية بشكل أو بآخر، ولكننا بحاجة إلى تعاون عقلاني من جانب العرب. سيستغرق الأمر عاماً أو عاماً ونصف العام لإنجاز ذلك، وستكون معركة هائلة. وثمة تطور يحدث بالفعل الآن.

المساعد العراقي: وهل تعتقد أن ذلك سيكون جزءاً من الحل؟

*هنري كيسنجر:

يجب أن يكون كذلك، فلا يمكن التوصل إلى حل بدونه. كما أن الوضع الداخلي (في أمريكا) بات مواتياً؛ فهناك أسئلة تُطرح في الكونجرس بشكل متزايد وتصب في مصلحة الفلسطينيين.

*سعدون حمادي:

هل تعتقد أن قيام دولة فلسطينية أمر ممكن؟

*هنري كيسنجر:

نحن لا نستبعد ذلك كمسألة مبدأ، ولكن لا يمكن تحقيق ذلك في الوقت الراهن.

*حمادي: 

وماذا عن الفلسطينيين الذين هم الآن لاجئون؟ 

إن المنطقة الفلسطينية الآن مزدحمة – غزة والضفة الغربية.

يجب أن يكون لديهم خيار، إما البقاء حيث هم أو الذهاب إلى دولة فلسطينية.

*سعدون حمادي

هل تعتقد أن البعض في منطقة الجليل، مثلاً، قد يختارون مغادرة إسرائيل والانضمام إلى الدولة الفلسطينية الجديدة؟

*هنري كيسنجر:في الجليل؟

*سعدون حمادي:

العرب الإسرائيليون (فلسطينيو الداخل).

*هنري كيسنجر:

لقد أبلغت الأصدقاء أن السلام ليس نهاية مطاف نهائية؛ فالحروب تبدأ في أماكن أخرى بين دول تعيش حالة سلام، بينما في الشرق الأوسط وحده تبدأ الحروب بين دول هي أصلاً في حالة حرب. لكننا ندعم وجود إسرائيل، ونضع خطا أحمراً عند مسألة تدميرها.

المساعد العراق

لقد استبعد الفلسطينيون هذه الفكرة بالفعل، وهذا رأيي الشخصي، لأن الإسرائيليين يحاولون شراء الأراضي في منطقة الجليل وهناك مقاومة لذلك، والحزب الشيوعي في المنطقة يستخدم هذه القضية في الانتخابات البلدية، فهل يرجع ذلك إلى أن الإسرائيليين يتطلعون إلى إنشاء دولة فلسطينية ويريدون شراء هذه الأرض؟

*هنري كيسنجر:

قد يكون ذلك في أذهانهم، لكني لست ملماً بهذا الأمر.

*المساعد العراقي:

الحزب الشيوعي يستخدم هذه القضية في المنطقة، والإسرائيليون يعرفون أنكم أيها الأمريكيون تقفون وراء فكرة الدولة الفلسطينية.

*هنري كيسنجر:

علينا أن نكون حذرين وأن نتحرك تدريجياً، الصحافة الإسرائيلية تتهمني؛ وقد قلت إننا لا يمكننا التحرك تجاه الفلسطينيين حتى يقبلوا بوجود دولة إسرائيل وبقرار مجلس الأمن رقم 242.

انا لم أستبعد أبداً الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، لكني كنت دائماً أربط ذلك بالاعتراف بإسرائيل وبالقرار 242، والمغزى من ذلك هو أننا سنفعل شيئاً ما إذا هم اعترفوا بإسرائيل وبالقرار 242.

المساعد العراقي:

(فاروق) القدومي يقول: “كيف يمكننا الاعتراف بإسرائيل إذا كانت هي لا تعترف بمنظمة التحرير؟”

*هنري كيسنجر:

مع كامل الاحترام، إن ما تفعله إسرائيل أقل أهمية مما تفعله الولايات المتحدة.

*سعدون حمادي:

صاحب السعادة، وجهات نظرنا ووجهات نظركم مختلفة؛ فأنتم مع وجود إسرائيل، ونحن لسنا كذلك، لذا، لا أعتقد أننا يمكننا الاتفاق بشأن هذه النقطة، وربما يمكننا الحديث عن جوانب أخرى؛ فنحن لسنا ضد تحسين العلاقات مع أي دولة، حتى الدول التي نختلف معها اختلافاً جوهرياً.

لقد قرأنا في الصحف أن الولايات المتحدة كانت تمد الحركة الكردية في شمال العراق بالسلاح، وموقفنا لا يبنى على ذلك وحده، ولكن لدينا سبب للاعتقاد بأن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن هذا الأمر، فما هي وجهة نظركم؟

*هنري كيسنجر:

عندما كنا نعتقد أنكم “دولة تابعة” للاتحاد السوفيتي، لم نكن نعارض ما كانت تفعله إيران في المنطقة الكردية، أما الآن، وقد سويتم الأمر مع إيران، فليس لدينا أي سبب للقيام بمثل هذا الشيء، ويمكنني أن أؤكد لك أننا لن نشارك في أَي نشاط من هذا القبيل ضد سلامة الأراضي العراقية، ونحن لا نفعل ذلك حالياً.

*سعدون حمادي:

هل هذا نتيجة لذلك الاتفاق؟ أعني فكرة أنكم لم تعودوا تعتقدون بأننا تابعون؟

*هنري كيسنجر:

أصبح لدينا فهم أكثر عمقاً ونضجاً الآن؛ فنحن نرى أنكم أصدقاء للاتحاد السوفيتي، لكنكم تتحركون وفق مبادئكم الخاصة.

*سعدون حمادي:

في العام القادم، إذا وقعنا اتفاقية اقتصادية مع الاتحاد السوفيتي، فهل ستعودون إلى وجهة النظر الأخرى؟

*هنري كيسنجر:

لم أكن لآتي إلى هنا لولا رغبتنا في بناء علاقة جديدة مع العراق، أما علاقتكم الاقتصادية مع الاتحاد السوفيتي فهذا شأن يخصكم وحدكم ونحن لا نتدخل فيه؛ إذ نرى أنكم تتبعون سياساتكم الخاصة، وإن كنا لا نستسيغ ما تفعلونه بمحض إرادتكم (ضاحكاً).

*هنري كيسنجر:

نحن نتجه نحو علاقات أكثر تعقيداً مع العرب، ولا نعتقد أن سياستنا الحالية تتعارض مع سلامة العراق وكرامته.

*سعدون حمادي:

لدينا مفاهيم مختلفة؛ فنحن لدينا علاقات مع الاتحاد السوفيتي ونستورد منه السلاح، وهذا ما دفع الولايات المتحدة للتدخل وتشجيع حركة كان من شأنها أن تمزق بلادنا إرباً.

*هنري كيسنجر:

هذا القول فيه مبالغة؛ فنحن لم نكن الدولة الرئيسية الضالعة في ذلك الأمر.

*سعدون حمادي:

ولكن الولايات المتحدة ساهمت بالسلاح بشكل أو بآخر.

*هنري كيسنجر:

“بشكل او بأخر”

*سعدون حمادي:

والأكراد كانوا يريدون تمزيق العراق.

*هنري كيسنجر:

لا جدوى من مناقشة الماضي، وكل ما يمكنني فعله هو إطلاعكم على نوايانا، وأنا أتفهم مخاوفكم وشكوككم، ويمكننا الانتظار؛ إذ ليس من الضروري استخلاص نتائج عملية من هذا الاجتماع.

*سعدون حمادي:

إن ما يقلقنا هو: هل غيرت الولايات المتحدة موقفها حقاً؟ وما الذي يضمن عدم تكرار ذلك في المستقبل؟ أي في كل مرة تمارس فيها دولة ما حقها السيادي، تتدخل الولايات المتحدة في نشاط يمس صميم سلامتها الإقليمية؟

*هنري كيسنجرِ:

خذ سوريا مثالاً؛ فهي تحصل على كافة أسلحتها من الاتحاد السوفيتي، وسوف يؤكد لكم السوريون أننا لم نتدخل قط في شؤونهم أو في علاقتهم العسكرية مع الاتحاد السوفيتي.

نعم، لقد قمنا بمحاولات دبلوماسية للتأثير على سياستهم، وهذا أمر طبيعي، لذا، ومع وجود علاقات أكثر نضجاً مع العرب، فإن ذلك التدخل مستبعد.

*سعدون حمادي:

وماذا عن لبنان؟

*هنري كيسنجر:

لقد نأينا بأنفسنا عن لبنان ولم نفعل شيئاً هناك، ووجهة نظري هي أن الثقل الإسلامي سيتحتم عليه الازدياد.

لقد أجرينا محادثات عديدة مع السوريين والسعوديين، لكننا لم ننخرط في أي أنشطة استخباراتية، وهذا ما يمكنني تأكيده لك، أعني أننا نجمع المعلومات ولكن لا نجمع الأسلحة.

*سعدون حمادي:

هل الولايات المتحدة لا تحبذ تقسيم البلاد؟

*هنري كيسنجر:

نحن نعارض ذلك.

*سعدون حمادي:

الولايات المتحدة ليست ضالعة ولكنها ستعارض؟

*هنري كيسنجر:

لم يُطلب منا ذلك، ولكن لو سُئلنا فسنعارض. لقد أدليت بتصريحات علنية متكررة دعماً لسلامة لبنان.

*سعدون حمادي:

بسعدني سماع ذلك، لأننا في العراق لدينا حساسية شديدة تجاه السلامة الإقليمية. ولكن لماذا تعارضون التقسيم؟

*هنري كيسنجر:

لأننا نؤمن بأن أساس السلام في الشرق الأوسط هو سلامة دول المنطقة، ففي حالة التقسيم، سيكون لديك شظيتان إضافيتان، دولة مسيحية ستضطر للبحث عن دعم خارجي، ودولة مسلمة ستفعل الشيء ذاته، مما سيزيد من حالة عدم الاستقرار، ويجب أن تعلم أننا مع وحدة لبنان.

*سعدون حمادي:

كنا نخشى التدخل الإسرائيلي.

*هنري كيسنجر:

لقد حذرنا إسرائيل بشدة من ذلك؛ فالتدخل لن يمنحهم سوى بضع مئات الآلاف من العرب الإضافيين وسيجعل التسوية مستحيلة.

*سعدون حمادي:

هل هناك أي جهة دولية تحبذ الانقسام؟

*هنري كيسنجر:

لا أرى أحداً.

*سعدون حمادي:

ولا حتى من القوى العظمى؟

*هنري كيسنجر:

الأوروبيون يحبون اللعب دون مخاطرة، وفي الشرق الأوسط لا يمكن اللعب بلا مخاطر. أقولها لك بصراحة: نحن لن ندعم ذلك. نحن مستعدون للتعاون لدعم وحدة لبنان، لكننا نخشى فقط أنه إذا أصبحنا نشطين، فسينشط الاتحاد السوفيتي أيضاً. لقد تحدثنا مع سوريا والسعودية ومصر والجزائر.

*سعدون حمادي:

أود أن ألخص موقفنا بشأن علاقاتنا الثنائية؛ فنحن نفرق بين العلاقات السياسية والأنواع الأخرى من العلاقات، فقبل سنوات كنا نخلط بينها جميعاً، أما الآن فالعراق ليس منغلقاً أمام الولايات المتحدة اقتصادياً وتقنياً، ولا يوجد اعتراض على تطوير العلاقات معها على المستويين الاقتصادي والثقافي، شريطة عدم التدخل في الشؤون الداخلية. هناك بعض الشركات الأمريكية في العراق، وهي تضمن معاملة عادلة، أما على المستوى السياسي، فقد قطعنا العلاقات لسبب معين، ونعتقد أن ذلك السبب لا يزال قائماً.

*هنري كيسنجر:

وبغض النظر عن العلاقات الدبلوماسية، والتي سترغب في التفكير بشأنها، إذا أردنا تبادل وجهات النظر، فيمكننا إرسال مسؤولين رفيعي المستوى إلى “مكاتب رعاية المصالح” في عاصمة كل منا.

*سعدون حمادي:

ولكن كلما ارتفع مستوى الممثلين، اقتربنا أكثر من العلاقات الدبلوماسية.

*هنري كيسنجر:

وكيف نفعل ذلك إذن؟ من خلال بعثة الأمم المتحدة؟ أم عبر رجالك في واشنطن؟

*سعدون حمادي:

يمكننا القيام بذلك “حسب مقتضى الحال” (Case-by-case).

*هنري كيسنجر:

حسنا، عندما تأتي إلى نيويورك يمكننا أن نلتقي، وسنفعل ذلك حسب مقتضى الحال. سترى أن موقفنا ليس معادياً للعراق؛ لا تصدقني فحسب، بل راقب الأفعال.

*سعدون حمادي:

نحن دولة صغيرة، وعلينا أن نكون أكثر حذراً.

*هنري كيسنجر:

الأمور ستتطور، ويمكننا البقاء على اتصال عبر واشنطن أو نيويورك.

*سعدون حمادي:

أخيراً، أود أن أقول إن المشكلة الكردية تكتسي أهمية حيوية بالنسبة لنا.

*هنري كيسنجر:

أؤكد لك ألا داعي للقلق؛ فلا يمكن للمرء فعل شيء حيال الماضي.

*سعدون حمادي:

ليس دائماً.

_____________

*إعداد: زيد بنايمين

اكتشاف المزيد من مركز المحافظين للسياسات العامة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة