حيدر صبي
لم تكن دول الخليج العربي في ظاهر الأمر طرفاً مباشراً في الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ، غير أن الأحداث حين تتسارع لا تترك للحياد متّسعاً من الوقت منه، لم يلبث الخليج أن وجد نفسه داخل معادلة معقدة بعد ان كان يقف على هامش من سبقها في حرب الاثنى عشر يوما.
كان من السهل القول إن الجغرافيا هي التي فرضت ذلك ، لكن الأدق أن نقول إن الجغرافيا هنا لم تكن مجرد موقع إنما كانت علّة لوظيفة حددتها اتفاقات الدفاع المشترك ،ودوراً لمورد طاقة الكوكب ،وقبل ان تصبح مفتاحاً لتوازن أوسع سقط متأرجحاً بين تحديات المحيط الاقليمي وبين إشكاليات الصراع الدولي.
نوايا ايران كشفتها نوعية الإستهداف
عند النظر في خريطة الاستهداف خلال الأيام الـ35 من عمر الحرب الجارية ، لا يبدو أن الضربات كانت عشوائية ،وإنما رسمت بدقة وفق وضوح تام في جدول الأولويات التي تضمنها بنك الأهداف الإيرانية.
▪️تابعنا كيف إن ‘الإمارات العربية المتحدة’ تتقدم هذه الخريطة ،لا لكونها الأقرب الى النار والى حدّ المواجهة ،إنما لأنها تمثّل شيئاً أبعد من حدودها، فهي ( مساحة استقرار في إقليم مضطرب ، ومركز لحركة المال والتجارة ورأس مال الدول العميقة ) من هنا فإن استهدافها لا يُفهم بوصفه ضربة لدولة بعينها بقدر ما هو إشارة الى أن الاستقرار داخل الخليج الدافيء بات قابلاً للإهتزاز وإن فرامل حركة الأموال النشطة آن لها التوقف.
▪️ثم تأتي المملكة العربية السعودية ، لتخبرنا عن احداث ، هي ان لم تكن طاريء جديد عليها غير ان حجم تأثير تلك الأحداث في هذه الحرب قد تغيّر بتغيّر جهة الإستهداف ‘ايران’ ، فالمملكة بما تحمله من ثقل ” ديني – اقتصادي ” جعلا منها الوازن الجوهري في استقرار المنطقة ، وكفيض ثانوي نضيف اليها أوزان (وزن الطاقة ، القرار ، التأثير ) ، عليه فإن أي استهداف لمنشآتها لا يمكن قراءته كفعل عسكري مجرد بل هو رسالة تتجاوز الرياض الى واشنطن نفسها.
▪️ودخول الكويت في دائرة الاستهداف رغم نهجها الحذر ، حدا بنا التأمل بشكل أعمق ، فالأمر لا يتعلق بالخصومة المباشرة مع طهران ، قدر توسيع نطاق التوتر بحيث لا يبقَ طرف خارج تأثيره ، يضاف لها من كان يتحين الفرص لينقضّ بمسيراته وصواريخه عليها منها ماهو نتاج هواجس بسبب بعض المواقف التي استثمرتها “الفصائل العراقية المدعومة من ايران” على وجه التحديد، لصالح مشروعها التحريضي.
▪️بالنسبة للبحرين يبدو المشهد أكثر وضوحاً فالمستهدف ، هناك ” الاسطول الخامس ” بمعنى الحضور الأمريكي البالغ على الأرض البحرينية كحجة بالغة من قبل طهران ، هذا من جهة ومن أخرى الوازع العقائدي ” حضور شيعي بيّن في المجتمع البحريني – يفتح شهية ايران في النفوذ عليهم” .
▪️تبقى قطر في مستوى أدنى من التصعيد على الرغم من وجود ‘قاعدة العديد’ ، وهي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط ، وتعد المركز العصبي للعمليات الجوية واللوجستية للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في المنطقة.
اذن قلّة الاستهدافات يجيز لنا وضعه في سياق علاقتها المعقدة مع طهران.
▪️أما سلطنة عُمان كعادتها ، تظلّ واقفة على التل لتسلم ووقوفها على مسافة واحدة من الخصوم سياسة لم تحيد عنها ومنذ سبعينيات القرن الماضي ارسى اسسها ‘السلطان قابوس’ ، كأنها تختار أن تبقى الجسر لا الساحة، لأسباب عدّة منها : موقعها الجيوستراتيجي ، التزامها بعقيدة سياسية ثابتة , الوساطة والمصلحة الوطنية ، حماية امنها الداخلي ، الجذور الداخلية ومذهبها الإباضي ” .
كيف تفكر طهران ؟
قد نحيل الموقف الإيراني ( العدائي ) لدول الخليج العربي الى امتدادات لصراعات عقائدية ، وهذا قول لا يخلو من صحة ، غير أنه لا يفسّر كل شيء ،
وفيما تأملنا السلوك الإيراني عند تعرضها لهجوم امريكي – اسرائيلي ، وجدنا قدراً عالياً من الحساب بل من الدقة في اختيار الأهداف داخل دول مجلس التعاون ، وكأن الخطاب الدبلوماسي الذي يصدره ” عراقچي – بزيشكيان ” شيء، وإدارة الصراع من قبل الحرس الثوري الإيراني شيء آخر . فإيران ضمن هذا السياق لا تستهدف الخليج كونه خصم عقائدي فحسب وإنما لأنه يختصر في جغرافيته عناصر القوة التي تريد الضغط عليها ، ( الوجود الأمريكي ، وسوق الطاقة ، واستقرار الاقتصاد العالمي ) ،من هنا يمكن فهم الأمر ببساطة أكبر ، إذ إن إيران لا تضرب الخليج لذاته ، وإنما تضرب من خلاله ما هو أبعد منه ” احادية القطب والاقتصاد العالمي “.
الطاقة حين تتحول إلى أداة ضغط
لأن العالم يعتمد على هذه المنطقة اعتماداً كبيراً فإن التهديد أحياناً لا يقف أمام مستوى محدود من الفعل بقدر ما يحرزه من الكمّ الباهض في الوقوف ، بعد ان يتحول الى المارد الأشد أثراً ، فيصبح تأثير التهديد أقسى وأمضى من الفعل نفسه، إذ إن مجرد الاقتراب من منشآت النفط أو التلويح بمضيق هرمز كفيل بأن يربك الأسواق ويضع القوى الكبرى أمام حسابات جديدة ، وهنا تتضح الصورة أكثر ، إذ لم تعد الصواريخ مجرد أدوات عسكرية إنما رسائل اقتصادية مكتوبة بلغة النار .
الحليف وحدود الحماية
في خضم الحرب ، تجد دول الخليج نفسها أمام سؤال قديم يتجدد : ما حدود الحماية التي يوفرها الحليف ؟
فالولايات المتحدة حاضرة بقواعدها وتحالفاتها ، غير أن الوقائع أظهرت أن هذه الحماية لا تمنع الخطر بالكامل إنما تدير حدود تأثيره ،وبهذا المعنى لم تعد دول الخليج مجرد متلقٍ للأمن إنما أصبحت شريكاً في إنتاجه وفي تحمل كلفته.
هل يتغير سلوك دول الخليج ؟
إذا استمر هذا النمط من الاستهداف ، فإن التفكير في الردّ لن يبقَ غصة تتقاذفها أفواه القادة الخليجيين وبشكلها النظري الحالي، إذّ بلحاظ توقيت ساعة مكة، ربما يتغير الى خيار مطروح، وقد لا يكون ذلك عبر دولة واحدة بل من خلال التأطير لتحالفٍ إقليميٍ أوسع يوازن بين الردع والتصعيد، مع ذلك فإن هذا الطريق مهما بدا مغرياً في لحظة الغضب يبقى محفوفاً بما لا يمكن التنبؤ به.
ما بعد الحرب .. هدوء لا يشبه السلام
فيما انتهت الحرب وقدّر الإبقاء على النظام الإيراني وفق سرديته الايدلوجية الحالية وسلوكه في تعميم تجربته من خلال النفاذ من سم الخياط المذهبي فإن العلاقة بينه وبين دول مجلس التعاون لن تعود إلى ما كانت عليه ، حيث المواجهة ستكون مفتوحة ، والتهديد مستمر ، ولا طمأنينة حقيقية أيضاً ، وسيتجاوران في حالة يُحكمها الحذر ويحفظها ميزان الردع ، وعند تلك المرحلة ومما استقتها دول مجلس التعاون من تجارب سابقة ، قد تميل دول الخليج إلى تنويع شراكاتها ليس انقطاعاً عن واشنطن وإنما سعياً الى توسيع هامش الحركة ، من هنا يبرز حضور الصين وروسيا كخيار إضافي لا كبديل كامل على الأقل في المدى المنظور.
السعودية وإدارة اللحظة الأصعب
في قلب هذا المشهد تظهر المملكة العربية السعودية كأنها تحاول أن توازن بين متناقضين ، ” عدم الانجرار إلى الحرب ، وفي الوقت ذاته عدم الغياب عن معادلاتها ” ، وتبعاً لمجريات النتائج من تجارب المملكة والنهج الذي اختطته في استحضار التوازنات الإقليمية والدولية نراها نجحت إلى حد كبير في الحفاظ على استقرار الطاقة وعلى موقعها كفاعل رئيسي وهو ما منحها وزناً خاصاً في هذه اللحظة.
نختتم لنقول: ان تحول دول مجلس التعاون الخليجي من الهامش إلى المتن ، جعل تلك الدول تغادر اللعب في الساحات الخلفية للأحداث ، ولهذا فإن ما جرى خلال 35 يوماً يمكن اعتباره تحولاً ستراتيجياً للدور الذي ستلعبه دول هذه المنطقة في المستقبل البعيد ، ومن يدرك هذه الحقيقة يدرك أن استقرار الخليج لم يعدّ شأناً إقليمياً فحسب ،وإنما مسألة تمس توازن العالم بأسره، فيما تحالفات جديدة ستكون قيد الدراسة لتنويع مصادر المظلة الأمنية إضافة الى تنويع مصادر التجارة والمعاهدات الاستراتيجية .
