تخطى إلى المحتوى

سافايا يكشف.. “دولة” تُدار بالفساد وتُحمى بالميليشيات

Shares

مقال للكاتب : عامر السامرائي/ إعلامي وكاتب صحفي

ملخص
“سافايا لم يكشف فضيحة فساد، بل تشريح لدولة تُدار على مدى أكثر من عقدين، بالمال الأسود وتُحمى بالميليشيات. الأحزاب دعمت السلاح لحماية نفسها لا العراق، حتى أصبح الفساد هو الدولة بصيغتها الواقعية، لكنها -الأحزاب- لم تتوقع أن يتحول هذا التحالف إلى دليل إدانة دولي.

ما كشفه المبعوث الرئاسي للعراق “مارك سافايا” في تغريدته على منصة “إكس” لم يكن توصيفاً لحالة فساد متفشّية، ولا خطاباً سياسياً تقليدياً، بل وثيقة تشخيص لبنية حكم كاملة، أُعيد تشكيلها في العراق على مدى أكثر من عقدين، وفق معادلة واحدة:
المال غير المشروع مقابل الحماية المسلحة، والفساد مقابل السلطة.
هذه ليست دولة ضعيفة فقط، بل دولة أعيد تعريف وظائفها:
من خدمة المجتمع إلى حماية الشبكة، ومن بناء المؤسسات إلى إدارة التوازنات، ومن مفهوم السيادة إلى منطق البقاء السياسي.
بهذا الشكل، لا يُعّد الفساد انحرافاً عن الدولة، بل أصبح هو الدولة بصيغتها الواقعية.

أولاً: الأحزاب والميليشيات.. تحالف حماية لا مشروع دولة
العلاقة بين الأحزاب الحاكمة والميليشيات لم تكن علاقة ظرفية ولا اضطرارية، بل علاقة تأسيسية.
الميليشيات لم تُنشأ كأداة أمنية وطنية، بل كـذراع حماية لمنظومة حزبية حاكمة تؤدي وظائف محددة:

  • ردع الخصوم السياسيين
  • كسر أي معارضة اجتماعية منظمة
  • فرض الأمر الواقع خارج القانون
  • حماية مسارات المال والفساد
    بهذا المعنى، لم تعد الميليشيات “قوة موازية”، بل أصبحت جزءاً عضوياً من منظومة الحكم.
    الأحزاب لم تستخدم السلاح لحماية الدولة، بل استخدمت الدولة لحماية السلاح.
    وهنا حصل الانقلاب البنيوي:
    تحوّلت الدولة من كيان سيادي إلى واجهة قانونية لمنظومة قوة غير قانونية.

ثانياً: الفساد كمنظومة تشغيل.. لا كحالات نهب
قيمة طرح سافايا لا تكمن في تسمية الفاسدين، بل في كشف منطق التشغيل.
نحن لا نتحدث عن فساد فردي أو شبكات نهب تقليدية، بل عن نظام مالي مُصمَّم هندسياً ليؤدي ثلاث وظائف:
• توزيع المال عبر طبقات دنيا (أقارب، سائقين، حراس، وسطاء)
• توفير الإنكار القانوني والسياسي
• تحييد أدوات الرقابة والمساءلة
هذا النموذج يُنتج:
واجهات قانونية لأنشطة غير قانونية – مسارات مالية يصعب تتبعها – تفتيت المسؤولية لمنع المساءلة
وهكذا يتحوّل الفساد إلى بنية تشغيل يومية، لا إلى جريمة استثنائية.
ثالثاً: الدولة المختطفة.. حين يصبح السلاح وظيفة اقتصادية
الميليشيات في هذا النموذج ليست فقط أداة قمع، بل أداة اقتصادية:
تحمي تدفقات المال
تؤمّن المسارات
تردع التدقيق
تفرض الصمت المؤسسي
السلاح هنا لا يُستخدم فقط ضد الخصوم، بل ضد الدولة نفسها عند الحاجة.
وبالتالي:
السلاح ليس أصل القوة، بل حارس القوة.
أما أصل القوة الحقيقي فهو: المال غير المشروع، الشبكات المالية، والغطاء السياسي.

رابعاً: الخطأ القاتل في حسابات الأحزاب
الأحزاب بنت استراتيجيتها على افتراض تاريخي:
أن النظام الدولي يتعامل مع “الواقع” لا مع “المثال”، وأن أقصى ما يمكن أن تواجهه هو ضغط ناعم قابل للاحتواء.
لكنها أخطأت في قراءة التحولات الكبرى:
تحوّل الإرهاب من خطر أمني إلى خطر مالي
تحوّل الميليشيات من “قوى محلية” إلى “عُقد في شبكات إقليمية”
تحوّل الفساد من شأن داخلي إلى تهديد استقرار دولي
وهنا تغيّر منطق التعامل الدولي:
لم يعد الملف عراقياً داخلياً، بل ملف منظومة فساد عابرة للحدود.

خامساً: لحظة الانكشاف البنيوي
الانكشاف الحالي ليس سياسياً فقط، بل هيكلي:
انكشاف المسارات المالية
انكشاف شبكات الواجهة
انكشاف العلاقة بين المال والسلاح
انكشاف التداخل بين الحزب والميليشيا والدولة
لم يعد النظام مغلقاً كما كان، بل أصبح قابلاً للتفكيك تقنياً وقانونياً ومالياً.

سادساً: آلية تفكيك “شبكة الإرهاب المالي” (الرؤية العملية)
تفكيك هذه الشبكة لا يتم بالشعارات ولا بالقرارات السياسية، بل عبر مسارات تقنية دقيقة:

1: تفكيك الطبقات الدنيا
الضرب لا يبدأ من القمة، بل من:
الوسطاء
الواجهات
الشركات الوهمية
شبكات الأقارب والسائقين والحراس
لأن هذه الطبقات هي التي توفّر الإنكار والتمويه.

2: كسر مسارات التمويل
عبر:
التدقيق البنيوي في كشوف الرواتب
إعادة هيكلة نظم القروض
مراجعة الأصول غير المنتجة
تفكيك شركات الواجهة

3: عزل السلاح عن المال
الميليشيا بلا تمويل تتحوّل من “قوة” إلى “عبء”.
فصل السلاح عن المال هو بداية التفكك الحقيقي.

4: تحويل الفساد من سياسة إلى جريمة
إنهاء الحماية السياسية للفساد، وتحويله إلى ملف جنائي لا تفاوضي.
5: بناء سيادة مالية قبل السيادة الأمنية
لا سيادة أمنية بلا سيادة مالية.
الدولة التي لا تسيطر على المال، لا يمكنها السيطرة على السلاح.

الخلاصة، ما كشفه سافايا ليس فضيحة، بل بنية حكم كاملة.
دولة تُدار بالفساد، وتُحمى بالميليشيات، وتثغذّى على المال الأسود.
الأحزاب صنعت الميليشيات لتحميها، لكنها لم تتخيّل أن يتحوّل هذا التحالف نفسه إلى دليل إدانة دولي ضدها.
اليوم، المعادلة تغيّرت:
لم يعد السؤال كيف تُدار الدولة، بل: هل يمكن تفكيك الشبكة التي استبدلت الدولة؟
الإجابة واحدة:
من دون تفكيك شبكة الإرهاب المالي، كل إصلاح وهم، وكل سيادة شعار.

اكتشاف المزيد من مركز المحافظين للسياسات العامة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة