بقلم
أحمد الساعدي
مدير مركز المحافظين للسياسات العامة
يشهد العراق مرحلة دقيقة تتغيّر فيها موازين القوة بين الدولة والقوى التي تعمل خارج إطارها الرسمي. فبعد سنوات كانت فيها المواجهة بين واشنطن والفصائل العقائدية تقوم على لغة القوة والردع، برزت خلال الأعوام الأخيرة مقاربة مختلفة اعتمدت على أدوات أكثر هدوءاً، لكنها أشد تأثيراً في إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي.
تعتمد هذه المقاربة على توظيف النفوذ الدبلوماسي والسياسي، وإدارة التحالفات الإقليمية، والضغط الاقتصادي، وتنظيم مسارات التمويل والعلاقات الخارجية. واللافت أن هذه الأدوات، التي تعد جزءاً من القوة الناعمة، أثبتت قدرة أكبر من القوة العسكرية على دفع السلاح العقائدي إلى التراجع، سواء عبر تغيير البيئة التي يتحرك فيها، أو عبر وضعه أمام ضغوط لا يستطيع التعامل معها عسكرياً.
تقوم هذه الدراسة على فكرة أن واشنطن لم تعد معنية بخوض صراع مباشر مع الفصائل، بل تسعى إلى خلق ظروف سياسية واقتصادية تجعل استمرار هذا السلاح مكلفاً وصعباً. وهذا ما انعكس في مواقف الحكومة العراقية، وفي وتيرة الحوار الأمني، وفي الطريقة التي أديرت بها ملفات حساسة مثل التحويلات المالية والحدود وملفات الطاقة والعلاقات الخارجية.
لكن فعالية القوة الناعمة لا تعني غياب التحديات. فاللادولة في العراق متجذرة داخل بنية النظام السياسي، ومسنودة بشبكات مصالح اقتصادية، ومرتبطة بعمق بدور إقليمي فاعل. كما أن هشاشة المؤسسات الرسمية وتعدد مراكز القرار يجعل أي تراجع في السلاح العقائدي قابلاً للعودة إذا لم يُبنَ على مشروع وطني واضح يعيد الاعتبار لسلطة الدولة.
يفتح هذا التحول أسئلة مهمة حول مستقبل العلاقة بين الدولة واللادولة. هل يمهد هذا التراجع لمرحلة أوسع من تفكك السلاح خارج الدولة؟ أم أننا أمام إعادة تشكل جديدة بطرق مختلفة؟ وهل تستطيع الدولة أن تتحول إلى مركز القرار الفعلي في ظل تنازع النفوذ بين واشنطن وطهران؟
تخلص الدراسة إلى أن القوة الناعمة الأميركية أسهمت في تقليص مساحة السلاح العقائدي، لكنها لا تستطيع أن تعيد بناء الدولة وحدها. فاستثمار هذا التراجع يحتاج رؤية وطنية تتبنى مشروعاً يعزز السيادة، ويرسخ هيبة القانون، ويمنع إعادة إنتاج اللادولة بصيغ جديدة. وما لم تستكمل هذه اللحظة بمبادرة عراقية جادة، فإن التراجع الحالي سيبقى محدوداً وعرضة للارتداد.
