تخطى إلى المحتوى

اشمتوا معي.. فأنا أول الشامتين بسلاح “النازعين”

Shares

تتعالى اليوم أصواتٌ نشاز، مستنكرةً ما تسميه “الشماتة” من استسلام وكلاء إيران وقبولهم بنزع سلاحهم. أصوات تطالب بالتحلّي بالأخلاق و“عدم التشفي”، وكأن الذاكرة الجمعية للعراقيين قصيرة، أو كأن هذا السلاح كان يوماً زينة دولة، لا أداة قتل وهيمنة وابتزاز!

أيّ أخلاق يُراد لنا التمسك بها أمام سلاح كان سيفاً مُسلّطاً على رقابنا؟!

وأيّ تعقّل يُطلب من شعبٍ دفع ثمن هذا السلاح دماً، وتهجيراً، وفقراً، وانكساراً؟!

هذا السلاح، الذي يدافع عنه بعض “الواعظين” اليوم، لم يكن يوماً سلاح دولة، ولا سلاح مقاومة حقيقية، بل كان ــ وبشهادة الوقائع لا الشعارات ــ بندقية موجّهة للداخل، وولاءً للخارج، حتى إن وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف سمّاهم “وكلاء” حين انتقدهم في منتدى الدوحة لعدم مساندتهم لبلاده خلال حرب الـ12 يوماً. كان سلاحاً موجّهاً إلى صدور العراقيين، فيما كانت بوصلته السياسية والعقائدية خارج الحدود. بنادق صدئة بلا سيادة، معروضة للإيجار السياسي، تُرفع حيثما تقتضي مصلحة الراعي الإقليمي، وتُخفَض حين تتغير الحسابات.

دماء العراقيين أولاً.. دائماً

هذا السلاح، الذي يدافع عنه بعض “الواعظين” اليوم من أصحاب الأصوات النشاز والأقلام المأجورة، لم يقتل إسرائيلياً واحداً، ولم يُسقط جندياً أمريكياً واحداً، لكنه بالمقابل قتل آلاف العراقيين والسوريين واللبنانيين. لم يُحرر أرضاً، بل صادر قرىً بأكملها، وهجّر أهلها لسنوات طويلة إلى المخيمات. لم يحفظ كرامة وطن، بل سرق المال العام، وفرض الأتاوات، ونشر الطائفية، وشرعن منطق الغلبة والسلاح خارج سلطة الدولة.

وإذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها، فإن سجل هذه الفصائل لا يقتصر على “الضحايا الجانبية” كما يحلو لهم التوصيف، بل يشمل جرائم مباشرة: قتل شباب تشرين، اغتيال الناشطين، تصفية الأصوات المدنية، ترهيب الإعلاميين، وخنق كل من تجرأ على قول “لا” في وجوههم. كل من طالب بدولة، أو سأل عن قانون، أو رفض منطق السلاح، كان هدفاً مشروعاً في قاموسهم.

مقاومة بالشعارات.. واستثمار بالدماء

القبول بنزع هذا السلاح لا يمكن قراءته بوصفه “صحوة وطنية” أو عودة طوعية إلى حضن الدولة. الحقيقة أبسط وأكثر فجاجة: إنه قرار رعب وخوف، لا قناعة.

خوف من الاستهداف، من العزلة، من نهاية باتت وشيكة في ميزان الإقليم والدول. ولو لم تتغير موازين القوة، لما سمعنا عن دولة أو قانون أو حصرية سلاح.

وباسم “المقاومة” — هذا الشعار الفضفاض المستهلك حتى الابتذال — جرى اكتناز الأموال، وشراء العقارات، وتهريب الثروات إلى الخارج. في الداخل قصور وحمايات وتاهوات، وفي الخارج حسابات واستثمارات، بينما تُركت المدن مدمرة، والشباب عاطلين، والدولة مثقلة بالعجز. فهي لم تكن مقاومة بقدر ما كانت مشروعاً اقتصادياً مغلفاً بخطاب تعبوي.

السخرية.. استفتاء شعبي صامت

من هنا، فإن السخرية الشعبية الواسعة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ليست انحرافاً أخلاقياً، بل تعبيراً صادقاً عن وعي جمعي متراكم. هي تفريغ لغضب مؤجّل، واحتقار مستحق لمن ادّعوا القوة، فإذا بهم يستسلمون عند أول اختبار جدي. وهي قبل ذلك كله، مؤشر واضح على انعدام أي تعاطف حقيقي، حتى داخل ما كان يُفترض أنه “حاضنتهم الشعبية”.

نعم، من حق الناس أن تسخر. من حق الأمهات الثكالى، والمهجّرين، والمفصولين، والمقموعين، أن يروا في هذا الاستسلام المخزي لحظة انتصار معنوي. ليس انتصار دولة بعد، ولا عدالة مكتملة، لكنه كسرٌ لهيبة زائفة بُنيت على الدم والخوف.

العدالة المؤجلة.. لا المنسية

وسيأتي يوم — قد يطول أو يقصر — يكون للعراق فيه قضاء قوي وعادل، لا يخضع لسلاح ولا لتهديد. يوم تُفتح فيه الملفات لا على منصات التواصل، بل في قاعات المحاكم، ويُحاسَب كل من تورط بالقتل والسرقة والتهجير وفق القانون، لا بمنطق الثأر أو الانتقام.

حتى ذلك الحين، دعوا الناس تضحك؛ فالضحك هنا ليس شماتة فارغة، بل شهادة إدانة شعبية، وإعلان نهاية مرحلة، وبداية سقوط أسطورة السلاح الذي لم يكن يوماً إلا ضد أهله.

اشمتوا معي.. فأنا أول الشامتين بسلاح “النازعين”، ليس شماتة بالهزيمة، بل احتفاء بانكسار سلاح الجريمة، وبداية أفول مرحلة حكمت بالخوف لا بالشرعية.

عامر السامرائي

اكتشاف المزيد من مركز المحافظين للسياسات العامة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة