تخطى إلى المحتوى

العراق وإيران… يمكن موعد الفراق

Shares

بقلم رئيس مؤسسة المحافظين: أحمد الساعدي

في السياسة، لا تبدأ التحالفات بالتصدع حين يختلف الحلفاء في العقيدة، بل حين تتعارض مصالحهم في البقاء. ولعل المفارقة التي تلوح في المشهد العراقي اليوم أن بعض القوى التي ساهمت إيران في ترسيخ نفوذها السياسي قد تجد نفسها مضطرة إلى تقليص ارتباطها بطهران لحماية المكاسب التي حققتها بفضل ذلك الارتباط. وهنا يتقدم سؤال يتجاوز حدود العلاقات العراقية الإيرانية: هل نشهد بداية تحوّل في الولاءات السياسية، أم مجرد إعادة تموضع تفرضها موازين القوى الجديدة؟

منذ عام 2003، لم يقتصر الحضور الإيراني في العراق على العلاقات الدبلوماسية أو المصالح الاقتصادية بين دولتين متجاورتين، بل امتد إلى شبكة واسعة من التحالفات الحزبية والأمنية التي منحت طهران قدرة مؤثرة على التوازنات الداخلية. وقد قامت هذه الشبكة على تقاطع ثلاثة عناصر أساسية: الروابط العقائدية، والمصالح السياسية، والاعتماد المتبادل في مواجهة الخصوم. غير أن ما بدا لسنوات تحالفاً استراتيجياً متماسكاً أصبح يواجه اختباراً مختلفاً؛ فالمصالح التي ساعدت على تأسيسه قد تتحول، تحت ضغط المتغيرات الإقليمية، إلى عامل يعيد تشكيله.

وتبرز أهمية هذا التحول في توقيته وطبيعته. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقليص النفوذ العسكري للفصائل المرتبطة بإيران، بينما تواجه القوى العراقية المنضوية في هذا المحور معادلة معقدة بين المحافظة على امتيازاتها السياسية والاستمرار في تبني مواقف قد تعرض تلك الامتيازات للضغوط والعقوبات. ولم يعد السلاح بالنسبة إلى بعض الأطراف مجرد أداة للنفوذ، بل أصبح أيضاً ملفاً تتوقف عليه طبيعة علاقتها بالحكومة العراقية والولايات المتحدة.

وقد ظهرت ملامح هذا التباين بصورة أكثر وضوحاً خلال الأسابيع الأخيرة. ففي الأول من أكتوبر 2026، أعلنت الحكومة العراقية خطة تستهدف حصر السلاح بيد الدولة بحلول الثلاثين من يونيو 2027. وأبدت فصائل، بينها كتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء، موافقتها على ترتيبات مرتبطة بهذا المسار، بينما واصلت أطراف أخرى معارضتها. وفي الحادي والعشرين من أكتوبر، أكدت حركة النجباء رفضها تسليم سلاحها أو الانخراط في العملية السياسية، في موقف يكشف أن المعسكر القريب من إيران لم يعد موحداً في كيفية التعامل مع الضغوط الجديدة.

غير أن قراءة هذه المواقف تتطلب تجاوز ظاهر التصريحات. فموافقة فصيل على تنظيم السلاح لا تعني بالضرورة تخليه عن نفوذه العسكري، كما أن رفض فصيل آخر لا يثبت استحالة التوصل إلى تسوية لاحقة. فالمسألة الحاسمة ليست انتقال السلاح من موقع إلى آخر، وإنما انتقال سلطة القرار بشأن استخدامه إلى المؤسسات الدستورية. ومن دون هذا التحول، قد تتحول عملية حصر السلاح إلى إعادة تنظيم للنفوذ المسلح داخل الدولة بدلاً من إنهاء ازدواجية القرار الأمني.

وهنا تبرز إشكالية أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة الأحزاب التي تتحول من حركات عقائدية إلى قوى مستقرة داخل السلطة. فالحزب الذي كان ينظر إلى السلطة بوصفها وسيلة لتحقيق مشروعه السياسي قد يصل، بمرور الزمن، إلى مرحلة تصبح فيها المحافظة على السلطة مشروعاً بحد ذاته. وعندئذٍ لا تختفي العقيدة بالضرورة، لكنها تفقد قدرتها على الانفراد بتحديد القرار السياسي، وتدخل في منافسة مباشرة مع المصالح الاقتصادية والمؤسساتية ومقتضيات البقاء.

هذه الفرضية تتيح تفسيراً مختلفاً للتحولات المحتملة في مواقف بعض القوى العراقية القريبة من إيران. فالتقارب مع واشنطن، أو القبول بتسويات كانت مرفوضة سابقاً، قد لا يعبر عن مراجعة فكرية شاملة بقدر ما يعكس محاولة للتكيف مع بيئة استراتيجية تغيرت فيها كلفة التحالفات القديمة. وإذا صح هذا التفسير، فإننا لا نكون أمام انتقال تلقائي من التبعية إلى الاستقلال، بل أمام انتقال محتمل من الولاء بوصفه التزاماً عقائدياً إلى التحالف بوصفه علاقة قابلة لإعادة التفاوض.

لقد ساعدت إيران بعض حلفائها على بناء نفوذهم، لكنها قد تكتشف أن المحافظة على ذلك النفوذ أصبحت لديهم أهم من المحافظة على علاقتهم بها.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في تراجع إيراني مقابل تقدم أمريكي سيكون قراءة قاصرة. فطهران لا تعتمد في العراق على العلاقات المسلحة وحدها، وإنما تمتلك امتدادات سياسية واقتصادية واجتماعية تشكلت على مدى عقود. كما أن الأحزاب العراقية المرتبطة بها ليست نسخاً متطابقة من حيث المصالح والارتباطات وطبيعة حضورها داخل الدولة. ولذلك، فإن اختلاف استجابتها للضغوط لا يعني بالضرورة انهيار المحور الذي جمعها، بل قد يعكس انتقاله من مرحلة الانضباط السياسي النسبي إلى مرحلة التفاوض الداخلي على المصالح والأدوار.

وتبدو إيران، في ضوء هذه المعادلة، أمام تحدٍّ استراتيجي يتصل بطبيعة نفوذها أكثر من حجمه. فالقوة الإقليمية تستطيع دعم حلفائها وتوسيع حضورهم، لكنها لا تستطيع ضمان استمرار تطابق مصالحهم مع مصالحها إلى ما لا نهاية. وكلما ازدادت موارد الحليف ومؤسساته ومكاسبه داخل الدولة، امتلك حسابات خاصة قد لا تتوافق دائماً مع أولويات الطرف الذي دعمه. وقد يكون هذا التباعد محدوداً وقابلاً للإدارة، لكنه يصبح أكثر حساسية حين تترافق الضغوط الخارجية مع مخاوف داخلية من خسارة السلطة.

في المقابل، تدرك واشنطن أهمية الأدوات المالية والاقتصادية في التأثير على الخيارات السياسية العراقية. فالعلاقة بالنظام المالي الدولي، وحركة الدولار، والتعاون الأمني، تمنح الولايات المتحدة أدوات ضغط تتجاوز الحضور العسكري المباشر. غير أن امتلاك أدوات التأثير لا يعني القدرة على إعادة تشكيل النظام السياسي العراقي وفق تصور أمريكي خالص؛ فالتوازنات الداخلية، وتشابك المصالح، واحتمالات التصعيد، تفرض حدوداً عملية على أي مشروع خارجي يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة.

ومن هنا يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل هذه التحولات. يتمثل الأول في إعادة التموضع التكتيكي، حيث تقدم بعض القوى تنازلات محدودة وتحافظ في الوقت نفسه على صلاتها القديمة بطهران، بما يسمح لها بتخفيف الضغوط دون إحداث قطيعة استراتيجية. أما الثاني، فيقوم على انتقال تدريجي نحو علاقات أكثر استقلالاً، إذا اقترنت التسويات الأمنية بإعادة بناء المؤسسات وترسيخ احتكار الدولة للسلاح والقرار. ويتمثل الثالث في تعثر التفاهمات واتساع الخلافات بين القوى القريبة من إيران، ولا سيما إذا رأت بعض الفصائل أن التنازلات المطروحة تهدد وجودها أو موقعها داخل معادلة النفوذ.

ولا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات قبل اتضاح نتائج التفاوض بشأن السلاح وطبيعة الترتيبات السياسية المصاحبة له. فالمعيار الحقيقي لا يتمثل في عدد الفصائل التي تعلن موافقتها، بل في مدى خضوع تشكيلاتها المسلحة لقيادة الدولة، وفي قدرة الحكومة على تطبيق قواعد موحدة دون استثناءات تفرغ مبدأ السيادة من مضمونه.

لكن المسألة الأكثر أهمية بالنسبة للعراق لا تتعلق فقط بمصير النفوذ الإيراني، بل بطبيعة البديل الذي قد ينشأ عنه. فليس كل تراجع لنفوذ خارجي انتصاراً للسيادة، كما أن استجابة القوى السياسية لضغط دولة أخرى لا تعني بالضرورة استعادة القرار الوطني. وقد يجد العراق نفسه أمام معادلة يعاد فيها توزيع التأثير بين واشنطن وطهران، بينما تستمر المؤسسات الداخلية خاضعة لمنطق المحاصصة والتوازنات الحزبية.

ولهذا ينبغي الفصل بين مفهومين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: إنهاء النفوذ الخارجي، وإعادة بناء الدولة القادرة على مقاومته. فقد تتراجع قدرة طهران على التأثير في بعض القرارات، لكن ذلك لن ينتج بالضرورة مؤسسات مستقلة ما لم تتغير القواعد التي سمحت بتغلغل النفوذ الخارجي أصلاً. فالمشكلة ليست في هوية الطرف المؤثر وحدها، وإنما في قابلية النظام السياسي نفسه لاستقبال التأثير وإعادة إنتاجه.

ولا ينبغي، في هذا السياق، التعامل مع العلاقات العراقية الإيرانية باعتبارها علاقة مرشحة للانتهاء بمجرد تغير مواقف بعض الأحزاب. فالجغرافيا والمصالح التجارية والروابط الاجتماعية تجعل استمرار العلاقات الطبيعية بين البلدين ضرورة سياسية واقتصادية. أما القضية التي تستحق المراجعة فهي الحدود الفاصلة بين التعاون المشروع والتدخل في القرار الوطني، وبين العلاقة بين دولتين والارتباطات التي تمنح أطرافاً داخلية قدرة على تجاوز المؤسسات الدستورية.

إن التحول الحقيقي، إذا حدث، لن يكون في انتقال حزب من محور إلى آخر، ولا في استبدال خطاب المواجهة بخطاب التهدئة، وإنما في نشوء قناعة سياسية بأن حماية السلطة لا ينبغي أن تكون مرهونة بقوة خارجية، وأن شرعية الدولة لا يمكن أن تستقيم مع تعدد مراكز القرار المسلح.

وفي المحصلة، قد لا يكون العراق وإيران أمام فراق سياسي شامل، بل أمام إعادة تعريف للعلاقة بين طهران والقوى العراقية التي ارتبطت بها. غير أن هذه العملية تحمل مفارقة تستحق التأمل: فالحلفاء الذين بدت روابطهم العقائدية عصية على التغيير قد يكتشفون أن مصالحهم لم تعد متطابقة، وأن ما جمعته الظروف الاستراتيجية يمكن أن تعيد الظروف نفسها ترتيبه.

لقد راهنت إيران على ولاء حلفائها لضمان نفوذها، لكن بعض هؤلاء الحلفاء قد يكونون راهنوا على نفوذها لضمان سلطتهم.

وهنا تكمن المسألة الأعمق من مجرد التحول في المواقف: هل كانت السلطة وسيلة لخدمة التحالف، أم كان التحالف منذ البداية وسيلة للوصول إلى السلطة؟

فإذا أصبحت كلفة الولاء أعلى من مكاسب السلطة، فقد لا تحتاج طهران إلى خصوم جدد كي يتراجع نفوذها؛ يكفي أن يبدأ بعض حلفائها بحساب مصالحهم بمعزل عن مصالحها.

اكتشاف المزيد من مركز المحافظين للسياسات العامة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة