بقلم: د. لُمى العيساوي
رئيسة وحدة الدراسات الاقتصادية–السياسية
مركز المحافظين للسياسات العامة
في العالم المعاصر، لم يعد الاقتصاد مجرد حركة أسواق أو مؤشرات مالية تُقاس بالأرباح والخسائر. الاقتصاد السياسي اليوم هو الإطار الأعمق لفهم الدولة: كيف تُدار؟ كيف تُوجَّه قراراتها؟ ولماذا تنجح بعض الدول في تحويل مواردها إلى قوة عامة بينما تغرق أخرى في أزماتها رغم امتلاكها للثروة نفسها؟
هذا السؤال هو جوهر الاقتصاد السياسي، وهو الذي يكشف أن المشكلة ليست في الموارد، بل في طريقة إدارتها، وفي قدرة الدولة على تحويل السياسة الاقتصادية إلى مشروع استقرار، وتنمية، وسيادة.
فعندما يتعطّل الاقتصاد، لا تتعطل المصالح فقط، بل يتعطل القرار السياسي نفسه: تتراجع قدرة الدولة على فرض القانون، تضعف مؤسساتها، وتتحول إدارتها اليومية إلى سلسلة من ردود الفعل بدلاً من صناعة المبادرات. وهنا يتضح أن الاقتصاد ليس رقماً في جدول، بل عمود فقري للدولة، وشرط أساسي لشرعية الحكم الحديث.
إن قراءة الاقتصاد السياسي تمنحنا القدرة على تفسير الصراع بين الموارد والسلطة، بين السياسات والنتائج، وبين الرؤية والواقع. وهي القراءة التي يحتاجها كل نظام يسعى إلى بناء دولة قادرة، ومؤسسات مستقرة، واقتصاد ينحاز للمواطن لا للفئات المتسيّدة على القرار.
وفي مركز المحافظين للسياسات العامة، نعتبر الاقتصاد السياسي مدخلاً ضرورياً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فبدون دولة قادرة على إدارة مواردها، لا يمكن الحديث عن سيادة، ولا عن عقد اجتماعي فاعل، ولا عن إصلاح سياسي طويل الأمد.
إن التحدي أمام الدول اليوم ليس وفرة المال، بل حُسن إدارة المال. وليس تعدّد السياسات، بل امتلاك سياسة واحدة واضحة تحمي الدولة وتخدم المواطن.
