تخطى إلى المحتوى

ما بعد طهران .. هل يُعاد تشكيلُ العراقِ أم يُعاد تدويرُ أزمتِه؟

Shares

حيدر صبي

ليس من السهلِ قراءةُ التحولاتِ الجاريةِ في العراقِ بمعزلٍ عن اللحظةِ الإقليميةِ الأوسعِ، حيثُ تتقاطعُ احتمالاتُ التسويةِ بين الولايات المتحدة وإيران مع ديناميكياتٍ داخليةٍ بلغت حدَّ التآكلِ البنيويِّ.

فالعراقُ اليومَ لا يقفُ على حافةِ صراعٍ تقليديٍّ، إنّما هو على تخومِ إعادةِ تشكيلٍ قد تعيدُ تعريفَ الدولةِ نفسِها من نواحي بنيتِها، نخبِها، ووظيفتِها.

لقد ترسّخَ خلال العقدينِ الماضيينَ نمطُ حكمٍ قائمٌ على المحاصصةِ، أنتجَ دولةً هجينةً تتقاسمُها المؤسساتُ الرسميةُ وشبكاتُ النفوذِ غيرُ الرسميةِ. وفي هذا السياقِ يصبحُ الحديثُ عن “الخطرِ الخارجيِّ” توصيفًا قاصرًا، إذ يكمنُ التهديدُ الأعمقُ في التآكلِ الداخليِّ الذي أصابَ بنيةَ الدولةِ وأعادَ تشكيلَها ككيانٍ قابلٍ للاختراقِ وإعادةِ التوظيفِ.

هذا التآكلُ لا يجري في فراغٍ، فهناك إدراكٌ متزايدٌ بأن الولايات المتحدة، بما تمتلكُه من خبرةٍ تراكميةٍ منذ 2003، تظلُّ الفاعلَ الخارجيَّ الوحيدَ القادرَ نظريًا على إعادةِ تنظيمِ الإيقاعِ الداخليِّ العراقيِّ. ويستندُ هذا التصورُ إلى جملةٍ من المعطياتِ، منها فهمٌ عميقٌ للبنيةِ الاجتماعيةِ المركّبةِ، وخبرةٌ في إدارةِ النزاعاتِ الهجينةِ، إضافةً إلى قنواتِ تواصلٍ تاريخيةٍ مع المرجعياتِ الدينيةِ، لا سيما في النجفِ.

غيرَ أن هذا الرهانَ، رغمَ وجاهتِه الجزئيةِ، ينطوي على قدرٍ من المبالغةِ؛ فالولاياتُ المتحدةُ لا تبني الدولَ بقدرِ ما تديرُ أزماتِها، ولا تتدخلُ إلا ضمن حدودِ الكلفةِ السياسيةِ والاستراتيجيةِ المقبولةِ. فهدفُها ليس إنتاجَ نموذجِ دولةٍ مثاليةٍ، بل ضمانُ حدٍّ أدنى من الاستقرارِ يمنعُ الانهيارَ الشاملَ ويحفظُ توازنَ المصالحِ.

ضمن هذا الإطارِ، تبرزُ فكرةُ “الإزاحةِ الجيليةِ” بوصفِها أحدَ المفاتيحِ المطروحةِ لإعادةِ تشكيلِ المشهدِ السياسيِّ. غيرَ أن هذه الفرضيةَ تصطدمُ بحقائقَ صلبةٍ، منها أن النخبَ التقليديةَ ما تزالُ تمسكُ بمفاصلِ الدولةِ العميقةِ، وأن الجيلَ الجديدَ غالبًا ما يُعادُ إنتاجُه داخلَ نفسِ البُنى، فيما تنطوي أيُّ عمليةِ إزاحةٍ سريعةٍ على مخاطرِ فراغٍ قد يكونُ أكثرَ خطورةً من الجمودِ نفسه. وعليهِ، فإن السيناريو الأكثرُ ترجيحًا لا يتمثلُ في قطيعةٍ جيليةٍ، بقدرِ ما هو إعادةُ تدويرٍ ناعمةٍ للنخبِ تُبدَّلُ فيها الوجوهُ دونَ أن تتغيرَ البُنى الحاكمةُ جذريًا.

أما على مستوى الفاعلينَ المسلحينَ، فإن أيَّ اتفاقٍ محتملٍ بين الولايات المتحدة وإيران لن يؤدي إلى اختفاءِ الفصائلِ المرتبطةِ بطهران، بل ستتحولُ في أنماطِ اشتغالِها. فقد أثبتت هذه الجماعاتُ قدرتَها على التكيّفِ، ولم تعد مجردَ أذرعٍ خارجيةٍ بعد أن تحولت إلى شبكاتِ نفوذٍ محليةٍ تمتلكُ مواردَ اقتصاديةً وقواعدَ اجتماعيةً. وبالتالي، فإن تراجعَ التصعيدِ العسكريِّ سيتسببُ في انتقالِ النفوذِ إلى مستوياتٍ أكثرَ خفاءً ومرونةً، لا إلى إنهائه.

في موازاةِ ذلكَ، يلوحُ في الأفقِ متغيرٌ إقليميٌّ لا يقلُّ أهميةً، يتمثلُ في التحولاتِ المحتملةِ في العلاقةِ بين إسرائيل ولبنان. فأيُّ اختراقٍ في هذا المسارِ من شأنِه أن يهزَّ النموذجَ الذي عُرفَ بـ“لبننةِ الدولةِ”، أي اختطافِها من قبلِ قوى فوقَ سياديةٍ.

غيرَ أن إسقاطَ هذا النموذجِ على العراقِ يبقى محدودًا، نظرًا لاختلافِ البنيةِ الاجتماعيةِ وتعددِ مراكزِ القوةِ داخله، ما يجعلُ من تفكيكِه عمليةً أكثرَ تعقيدًا وأطولَ أمدًا.

وفي خضم هذا المشهدِ، تبدو فكرةُ “تصفيرِ النفوذِ الإيرانيِّ” أقربَ إلى الطرحِ السياسيِّ منها إلى الواقعِ الاستراتيجيِّ، فما يجري لا يشيرُ إلى إلغاءِ نفوذٍ بقدرِ ما يعكسُ إعادةَ توزيعٍ قسريٍّ له.

نعم، قد تفقدُ إيرانُ قدرتَها على الهيمنةِ المنفردةِ، لكن الولايات المتحدة أيضًا لن تفرضَ أحاديةً كاملةً على المشهد. والنتيجةُ المرجحةُ هي انتقالُ العراقِ من ساحةِ صراعٍ مفتوحٍ إلى ساحةِ توازنٍ مُدارٍ، حيثُ تتقاطعُ النفوذاتُ بدلَ أن تتصارعَ بشكلٍ مباشرٍ.

انطلاقًا من ذلكَ، يمكنُ تصورُ ثلاثةِ مساراتٍ رئيسيةٍ لمستقبلِ العراقِ:

الأول: الضبطُ الأمريكيُّ الناعمُ، حيثُ تُعادُ هيكلةُ المشهدِ السياسيِّ بما يضمنُ استقرارًا نسبيًا وتقليصًا لنفوذِ الفصائلِ دونَ المساسِ بجوهرِ النظامِ، وهذا مرجّح.

الثاني: ما يُعرف بـ“التوازنِ الرماديِّ”، وهو سيناريو استمرارِ الوضعِ القائمِ بصيغةٍ أقلَّ حدّةً، حيثُ تتقاسمُ القوى الداخليةُ والخارجيةُ النفوذَ ضمنَ معادلةٍ لا غالبَ فيها ولا مغلوبَ، إلا أن هذا السيناريو يبدو بعيدًا بعد فشلِ تجربتهِ في سنواتٍ سياسيةٍ سابقةٍ.

أما الثالث: فهو الانفجارُ المؤجلُ، في حالِ فشلِ إدارةِ التوازناتِ، ما قد يفتحُ البابَ أمامَ صراعاتٍ داخليةٍ جديدةٍ تعيدُ إنتاجَ الفوضى بأشكالٍ مختلفةٍ، وهو السيناريو الأكثر إثارةً للمخاوف، خصوصًا لدى مرجعيةِ النجف.

في جميعِ هذه السيناريوهاتِ، يبقى العاملُ الحاسمُ ليس في حجمِ التدخلِ الخارجيِّ، بل في قابليةِ الداخلِ العراقيِّ لإعادةِ إنتاجِ ذاتهِ بشكلٍ مختلفٍ عمّا سبق، ودونَ توافقٍ نصفيٍّ بين إيران والولايات المتحدة. وإن لم يحدث ذلك، فقد يميلُ التأثيرُ أكثرَ نحو الولايات المتحدة، لكن الدولَ لا تنهارُ فقط بفعلِ الضغوطِ الخارجيةِ، بل حينَ تعجزُ نخبُها عن تجاوزِ أنماطِها القديمةِ.

العراقُ اليومَ لا يقفُ أمامَ خيارٍ بين نفوذٍ إيرانيٍّ أو أمريكيٍّ، بل أمامَ اختبارٍ أعمق:
إما أن يتحولَ إلى دولةٍ قادرةٍ على إعادةِ تعريفِ نفسِها ضمنَ توازناتٍ معقدةٍ، أو أن يستمرَّ في الدورانِ داخلَ حلقةٍ مفرغةٍ من إعادةِ تدويرِ الأزماتِ.

وفي هذا الفاصلِ التاريخيِّ، لا تكمنُ الخطورةُ في الصراعِ بحدِّ ذاتهِ، بقدرِ ما تكمنُ في تحوّلهِ إلى آليةٍ دائمةٍ لإنتاجِ الضعفِ بدلَ أن يكونَ مدخلًا لإعادةِ البناءِ وترميمِ الفجوات. كما أن هدمَ أسسِ العمليةِ السياسيةِ بشقيها، المحاصصاتي وما يُعرفُ بالعرفِ السياسي، شكّلَ السكينَ التي نُحرت بها رقبةُ الدستورِ العراقي، قبل أن يُضافَ إليها خنجرٌ آخرُ سُمّي بالأذرعِ المسلحةِ المرتبطةِ بإيران، والتي اختطفت القرارَ السياديَّ للعمليةِ السياسيةِ.

اكتشاف المزيد من مركز المحافظين للسياسات العامة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة